سورية الآن

الحروب المتواصلة.. أين المعنى؟

مضى على الحرب على حلب عامٌ ونيّف. وتنشب الآن حرب الموصل. وعلى حواشي الحربين وبجوارهما، ومنذ عام 2013، تقاطعت الحروب وتواصلت: سيطر «داعش» على مساحات ومدن في سورية والعراق، وهبّ التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة لمصارعة «داعش»، بقوى الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية بالعراق، وبالميليشيات الكردية في سورية. وفي الحالتين (سورية والعراق)، ومن جانب الأكراد والميليشيات العراقية والمتأيرنة في البلدين، جرى قتل عشرات الألوف، وتهجير مئات الأُلوف الأُخرى. وقد وقعت الخسائر الأقلّ في صفوف «داعش» بالطبع. ثم رأى الروس في عام 2015 أن لهم مصالح بالتدخل الصاعق في سورية. والهدف المعلن الحيلولة دون سقوط نظام الأسد، بعد أن عجز الإيرانيون وميليشياتهم عن بلوغ هذا الهدف. وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة دخل الأتراك على المشهد بعد مهادنة الروس، والمماحكات الكثيرة مع الأميركيين. واحتلوا بمساعدة عدة آلاف من الكتائب المسلّحة (درع الفرات) نحو 1200 كيلومتر، مُخرجين «داعش» منها، ومعلنين نيتهم إقامة منطقة آمنة على حدودهم للاجئين السوريين من جهة، وحائلين من جهة ثانية دون إقامة كيان كردي على تلك الحدود.

لقد سلّم الأميركيون على مضض بالتدخل التركي في الشمال السوري. لكنهم والروس وضعوا له حدودًا بمدينة الباب، التي تتقدم قوات «درع الفرات» نحوها. وكما يطمح الأتراك لإخراج «داعش» من الباب، فهم لا يزالون مصرّين على إكمال إخراج الأكراد من منبج، إذ بنظر تركيا لا مكان للأكراد في غرب الفرات، ولا على الحدود التركية. لكنّ الأتراك يجدون مصلحة لهم بالتدخل في العراق أيضًا، أي في شرق الموصل. فمنذ 2014 تمركزت بضع مئات من قواتهم على أطراف بعشيقة ناحية الحدود التركية مع العراق وسورية. وهناك آوى الأتراك وجنّدوا نحو خمسة آلاف عراقي معظمهم من الموصل وقراها بقيادة أثيل النجيفي، محافظ الموصل السابق، وسمَّوهم «الحشد الوطني». ومنذ ستة أشهر، وبعد أن بدأ الأميركيون والعراقيون وأكراد البارزاني يخططون لحرب الموصل، تصاعد احتجاج حكومة العبادي ضد التدخل التركي. الأتراك يقولون إنّ لهم ثلاثة أهداف في المنطقة: أولها منع تمركز «حزب العمال الكردستاني» فيها كما فعل في سنجار. وثانيها مَنْع تهجير مئات الآلاف من سكان الموصل وقراها باتجاه تركيا كما حصل في سورية (نحو ثلاثة ملايين). أما الهدف الثالث فهو منع ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية من الاستيلاء على تلعفر ونواحيها، وهي منطقة خليط من التركمان الشيعة والتركمان السنة والعرب، وذلك لمنع التهجير، ومنع إيران والأكراد (حزب العمال) من أن يكون لهم ممرٌّ بين إيران والعراق وسورية في ذاك المثلث الخطِر. الأميركيون حاولوا التوسط لكي يتمكن الأتراك من المشاركة في تحرير الموصل ونواحيها، لكنّ العبادي رفض، والأميركيون أعلنوا من جانبهم أنهم لا يوافقون إلا على ما توافق عليه الحكومة العراقية ذات التوجه الإيراني!

هناك إذن، في العراق وسورية، عدة أنواع من الحروب رمزاها الكبيران حلب والموصل. وهذه الحروب تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية. الدوليون رأسهم الولايات المتحدة وروسيا. والإقليميون رأسهم إيران وتركيا. أما المقاتلون على الأرض، إضافة إلى الجيش السوري والجيش العراقي، فهم سوريون وعراقيون يتبع بعضهم إيران وبعضهم تركيا وبعضهم الأكراد على أصنافهم. وبسبب تعقيدات المشهد المتزايد، كفّ المراقبون عن محاولة الفهم، واعتبروا الأمر كلَّه فاقدًا للمعنى!

والواقع ليس كذلك؛ فعلى الأرض يجري تهجير الناس وقتلهم في سورية والعراق. وهم جميعًا من العرب السنة. وهناك فرق بين المظلة الأميركية والمظلة الروسية. فالروس ليس بينهم وبين النظام السوري والميليشيات الإيرانية أي تمايزات. بينما نجد أنّ «التحالف» المسمَّى على الولايات المتحدة فيه تمايزات كثيرة. ففي حين تتحالف الولايات المتحدة مع الأكراد المسلحين منذ ثلاث سنوات بحجة مقاتلتهم لـ«داعش» في العراق وسورية، ما سعت حقًا لتدريب وتسليح سكان المناطق من العرب السُّنة، لا لمقاتلة «داعش»، ولا لمنع تهجيرهم. لذلك، لا يجد العرب السُّنة مظلةً إلاّ من خلال التدخل التركي المحدود، والذي يملك أهدافه الخاصة التي لا يتجاوزُها أو لا يستطيعُ تجاوُزَها. والولايات المتحدة لا تكاد تغطّيه في سورية، وترفض تغطيته بتاتًا في العراق.

الإيرانيون وميليشياتهم متقدمون على الأرض في سورية والعراق. والأرجح أن تقدمهم سيزداد في الشهور القليلة المقبلة، وبمساعدة روسيا وإيران، وغضّ النظر من الولايات المتحدة. ويقول المراقبون إن النزاع سيطول. وهذا ليس فيه عزاء، لأن المعاناة انصبّت وتنصبُّ على رؤوس العرب السنة في سورية والعراق.

(*) كاتب لبناني

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق