مقالات الرأي

تركيا.. تحالفات ما بعد الانقلاب وصيغ إقليمية جديدة

شكل الانقلاب الفاشل فرصة سانحة للإدارة التركية لإعادة ترتيب البيت الداخلي؛ والانطلاق من هذا الأساس نحو تعاطٍ جديد مع الملفات الخارجية، وعلى رأسها الملف السوري، التعاطي الذي يستند -على ما يبدو- إلى تحول تركيا إلى نقطة توازن في علاقات الفاعلين الدوليين والإقليميين المعنيين بالأزمة السورية، وفق معادلة معقدة بما تحويه من مصالح متشابكة، سيحاول هذا المقال تفكيكها على الشكل التالي:

 

روسيا (هامش المناورة الأميركية)

تدرك تركيا جيدًا، كعضو ناتوي، أهمية دورها الذي رسمه لها باقي حلفائها الناتويين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، كقاعدة متقدمة لهم في مواجهة المد السوفياتي منذ خمسينات القرن الماضي، في مواجهة أي فرص محتملة لعودة روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لذلك كانت سياسة العدالة والتنمية منذ وصوله للحكم تقوم على المحافظة على “شعرة معاوية” مع الروس، كورقة تهديد تستخدم إذا ما فكر الناتو بالتخلي عنها، وبالمقابل، يعي الروس جيدًا أهمية التقارب مع تركيا كبوابة للعودة إلى الشرق الأوسط، لذلك؛ يبدو أن الطرفين بعد فشلهما في الانفراد بالملف السوري، وما صاحب ذلك من توترات نتجت عن إسقاط تركيا للطائرة الروسية، ومحاولة روسيا لي الذراع التركي بالملف الكردي؛ قررا أن الإدارة المشتركة لهذا الملف هي السبيل الوحيد للطرفين؛ للخلاص من “الفخاخ الدولية” التي تنصب لهما في سورية. فروسيا المدعومة بتطلعات بوتين القيصرية لا مخرج لها من فخ التورط في الحرب السورية، كطرف مباشر -وهذا ما يرغب به الأوروبيون والأميركيون- سوى الأتراك، بما يمتلكونه من قوة ضاغطة على المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، وخاصة في الشمال السوري، بالمقابل فإن نجاة الأتراك من فخ الطموحات الكردية -أيضًا- يرتبط بدرجة كبيرة بالعلاقة مع الروس عل صعيدين: الأول، وقف الدعم الروسي لمليشيات وحدات الحماية الكردية، والثاني، ما يفسحه التقارب مع روسيا من مجال للمناورة مع أميركا.

إن تلك الضرورات للتقارب بين الطرفين؛ تدعمها رغبة لديهما في ملء الفراغ الأميركي ومحاولة استثمار ما تبقى من إدارة أوباما في الحكم، لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، استباقًا لأي تغيير محتمل في سياسة الإدارة الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط.

 

إيران وتركيا (قاسم الطموحات الكردية)

على الرغم من الخلافات الكبيرة بين طهران وأنقرة حول الملف السوري، إلا أن العلاقة لم يصل توترها إلى حد القطيعة، وحرص الطرفان على استمرارها، وذلك بسبب المصالح التاريخية والاقتصادية بين الطرفين، وعدم رغبة إيران المعزولة دوليًا وإقليميًا في خسارة تركيا خسارة نهائية، خصوصًا إذا كانت تلك الخسارة ستصب في صالح السعودية التي تحاول احتواء تركيا ضمن تحالفها المناهض للدور الإيراني في المنطقة.

إضافة إلى ذلك، فإن النهج البراغماتي لسياسة البلدين، يضفي مرونة كبيرة على العلاقة بينهما، ويسهل دخولهما في تفاهمات حول تغيرات المشهد الإقليمي والتي تمس الطرفين، فكما أذعنت إيران للدخول الروسي على خط الأزمة السورية دخولًا مباشرًا، مدفوعة بعجزها عن إنقاذ الأسد وتسوية الأزمة السورية منفردة، كذلك فعلت بالنسبة لتركيا، وخصوصًا بعد تفاقم الخطر الكردي بالنسبة للطرفين، الأمر الذي عززه الخطأ الاستراتيجي السعودي بدعم أكراد إيران وحزب العمال الكردستاني لاستئناف عملياته في إيران، ما أعطى نتائج عكسية من حيث حدوث تقارب بين أنقرة وطهران، حول ضرورة وضع حد للطموحات الكردية، انطلاقًا من الأراضي السورية، وهذا ما شكل فرصة للإيرانيين والروس لجذب تركيا باتجاه نوع من التحالف الثلاثي يحفظ مصالح جميع الأطراف.

 

أميركا والاتحاد الأوروبي

نجحت أنقرة -كما يبدو- باستخدام ورقتي روسيا وحرب الإرهاب في إدارة علاقتها مع واشنطن، فتأييد الأخيرة لعملية “درع الفرات” يعكس ارتياحًا لوجود قوة غير كردية تحارب داعش على الأرض؛ تحرر واشنطن من أي التزام مستقبلي قد يرتبه تحالفها مع الأكراد باتجاه تطلعاتهم الانفصالية، وتمنحها قدرة على وضع حد لاستغلال الأكراد للغطاء الأميركي في حرب الإرهاب؛ للقيام بممارسات تضعها في حرج مع حلفائها في المنطقة، وأمام الرأي العام العالمي، وخصوصًا في إطار تهجير غير الأكراد من المناطق التي تحرر من داعش، والرغبة في التمدد بضم أي مساحات يستطيعون الوصول إليها، وهي ذات الممارسات في سورية والعراق.

بالإضافة إلى ذلك فإن التقارب (الإيراني الروسي التركي) طالما أنه يصب في السياقات التي رسمتها واشنطن، وأعني حرب الإرهاب وتسوية الأزمة السورية؛ فهو مرغوب جدًا من قبلها، بل سيحظى هذا النوع من التقارب بدعمها كونه يدعم تصورها للخروج من أزمات المنطقة المعقدة نتيجة صراع الأطراف الإقليمية، كما ويتيح لها تطبيق استراتيجيتها في الانسحاب من التورط المباشر في صراعات الشرق الأوسط وإدارتها عن بعد فحسب.

كما أن حرب الإرهاب وسماح الولايات المتحدة لتركيا بالتدخل المباشر في الأراضي السورية، في خطوة تمهد لإقامة المنطقة العازلة التي لطالما طالبت بها أنقرة، يصب أيضًا في مصلحة أوروبا التي تعاني من جراء الأزمة السورية من ملفي الإرهاب واللاجئين، فإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري سيزيح عن كاهلها عبء موجات جديدة من اللجوء، ودخول تركيا في حرب مباشرة مع داعش أيضًا قد يساهم في التضييق على عودة المقاتلين الأوروبيين في صفوف التنظيم إلى بلدانهم.

 

تقاطع المصالح والحلف المحتمل

إلى جانب المصالح الاقتصادية المشتركة؛ يشكل ملف الصعود الكردي في سورية والعراق النقطة الجوهرية في التقارب الإيراني – التركي الحالي، كما يلتقي كلاهما في الحاجة للدعم الروسي، وبخاصة في علاقتهما الخارجية، ولا تقل حاجة روسيا للتنسيق مع الطرفين لفرض نفسها لاعبًا دوليًا من بوابة الشرق الأوسط وبأقل الخسائر، بالتالي؛ فإن ملامح التحالف الثلاثي الجديد تتبدى من تشابك مصالح تلك الأطراف في الوقت الحالي.

هذا التحالف أو صيغ التقارب الحالية قد تزيد من عزلة السعودية وتدفع أكثر باتجاه تقليص فاعليتها في الأزمة السورية، إذ تحيد الحليف التركي عن صراعها مع إيران، فأمام ما يمثله التقارب مع إيران من ضرورات للأمن القومي التركي، يبدو أن أقصى ما يمكن أن تقدمه تركيا للسعودية في الفترة الحالية؛ هو لعب دور الوسيط مع إيران.

وفي سياق هذا التحالف يبدو أن عقدة بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، والتي كانت تعطل مسار جنيف المتوافق عليه من جميع الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة السورية، باتت بالنسبة للأتراك أقل أهمية، مع تعاظم التهديد الكردي لأمنها القومي، وحاجتها الملحة لتسوية الخلافات مع روسيا وإيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، المتوافقون جميعًا على تأجيل بحث مصير الأسد إلى ما بعد المرحلة الانتقالية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق