تحقيقات وتقارير سياسية

كسر الحصار عن حلب الشرقية ووضع أهالي حلب الغربية

مع بداية معركة كسر الحصار عن حلب، وفي ضوء التطورات الأخيرة والتقدم السريع للثوار المشاركين في هذه الملحمة، كما أُريد لها أن تكون تسميتها بالملحمة الكبرى، وتكمن أهمية هذه الملحمة ليس من كونها عملية تحرير فحسب ، إنما هي –إن كُتب لها النصر- ستكون نقطة تحوّل للثورة، سوف تعيد للثورة ألقها وقوتها، وأهدافها، من إسقاط النظام، إلى نصرة المظلوم، والقضاء على الفساد، بعد أن ظنت روسيا والدول المتحالفة مع النظام أن القضاء على الثورة بات قاب قوسين أو أدنى، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سوف تُمكّن هذه المعركة من فك الحصار عن أحياء حلب الشرقية، ذلك الحصار الذي كان له أثر واضح في كسر إرادة بعض المدن في سورية، آخرها داريا، حيث أراد النظام وحلفاؤه تطبيق ذلك على أحياء حلب الشرقية، فعمل وروسيا على إحكام الحصار على هذه الأحياء وتكثيف القصف الجوي، وخاصة على كل مقومات الحياة من مستشفيات وأسواق وأفران ومصادر مياه، لإرغام الأهالي على الاستسلام.

 

الإصرار غير مسبوق، والهمة لا حدود لها، الهدف حلب كاملة، وليس فك الحصار وإنقاذ المحاصرين، ما يعني طرد النظام من أحياء جديدة، تعجّ بأهلنا من ساكني أحياء حلب الغربية، يعيشون تحت رحمة شبيحة فقدوا الحد الأدنى من الإنسانية.

 

فصائل المعارضة المسلحة الآن أمام تحد جديد وكبير، ألا وهو ملف الأهالي في الأحياء التي سوف يُطرد النظام منها، وكيفية تأمينهم وإبعادهم عن أماكن الخطر وأماكن الاشتباك، إضافة إلى تأمين حاجاتهم الأساسية، وكيفية التعامل مع المرضى والأسرى، وتقديم رسالة واضحة للمدنيين والأهالي الموجودين في حلب -الذين لم يدّخر النظام جهدًا في خداعهم عبر وسائله الإعلامية الرسمية وغير الرسمية بالأمان، وأن أموالهم ودماؤهم وكرامتهم مصانة، بموجب الأعراف الإنسانية وأخلاق الثوار، وذلك لتوضيح الحقيقة وكشف خداع النظام لهم.

 

لابد من التعامل مع هذا الملف بحذر، فهو يضع المعارضة المسلحة أمام الحقيقة، ويبين طبيعة الثوار الإنسانية، الذين هدفهم الحرية والكرامة، وصون حياة الإنسان وكرامته، وبناء مجتمع قوامه الإنسانية والعدل، بدون حقد وكراهية، لذلك؛ يجب على هذه المعارضة وفصائلها أن تُدرك تمامًا ما يجب فعله، وأن تتسلم هذا الملف وتضع ضمن أولوياتها وأهدافها التعامل مع سكان الأحياء المدنيين التي سيُسيطرون عليها بإنسانية، وتقديم الحماية والمساعدات الطبية للمرضى والجرحى، ونقل من يحتاج منهم لعلاج إلى المستشفيات، وكذلك تأمين الحاجات الأساسية للسكان، ونقلهم إلى أماكن أكثر أمنًا حرصًا على حياتهم.

 

أما الأسرى فيجب التعامل معهم وفق الاتفاقيات المتعارف عليها دوليًا، وتقديم العلاج الطبي عند الحاجة، وعدم تعريضهم للتعذيب، وفق ما تنص عليه قواعد القانون الدولي الإنساني المتعارف عليها عالميًا، وهي -أولًا وقبل كل شيء- جزء من تعاليم الدين الإسلامي أيضًا، بل كل الديانات السماوية.

 

لتكن رسالتهم إلى المدنيين في حلب، أنهم كثوار، ليس هدفهم تدمير الإنسان كما يفعل كل من النظام وروسيا، بل المحافظة عليه، وكل ما يفعلونه يجب أن يصبّ في هذا الهدف، كما يجب الانتباه إلى حماية مؤسسات الدولة الخدمية، والعمل على تشكيل وحدات وكوادر وهيئات من السلطات البديلة في كل النواحي؛ لضمان حسن إدارة هذه المرافق والمحافظة عليها.

 

سيراقب العالم طريقة تعامل المعارضة المسلحة مع الناس هناك، ويأمل أصحاب الثورة أن يعكس هؤلاء صورة مشرقة عن ثورتهم، وأن يُحسنوا التصرف فيما هم مؤتمنون عليه.

قد يقول بعضهم إن مجلس الأمن والجمعية العمومية وجمعيات حقوق الإنسان ترى جرائم النظام بحق شعبنا، ولا تُحرّك ساكنًا، ولم تقدر على إدانته، لكن في الغالب، وبسبب المعايير المزدوجة، سيكون الثوار محط أنظار المجتمع الدولي الذي قد ينتظر منهم أي خطأ، حتى يُصدّق النظام الذي يسعى لتصوير الثوار على أن أنهم مجرمو حرب ومنتهكون لحقوق الإنسان.

معركة مهمة جدًا هي معركة تحرير حلب، بكل ملفاتها السياسية والعسكرية والإنسانية، ولعل الإنسانية تكاد تكون أهمها؛ لأن المعارضة المسلحة أمام قرابة مليون مدني، يجب أن تولي الأبرياء منهم أقصى عناية ممكنة.

مقالات ذات صلة

إغلاق