أدب وفنون

المئة عام الأخيرة في تاريخ سورية

 

قد لا يكون اهتمام الباحثين والكّتّاب الغرب بتاريخ منطقة الشرق الأوسط عمومًا -وتاريخ سورية تحديدًا- شأنًا طارئًا في مجالاتهم البحثيّة؛ إذ طالما شكّلت المنطقة محور اهتمام الدراسات الغربية وسياساتها، غيرَ أنّ التطوّرات التي شهدتها المنطقة خلال النصف الأخير من العقد الجاري، ممثّلةً بالثورة السورية وتداعياتها، زادت من درجة الاهتمام بهذه البقعة الجغرافية المنكوبة وإعادة قراءة تاريخها الحديث والمعاصر، وذلك في ضوء ما استجدّ من تطوّراتٍ دراماتية بدأت تغيّر وجه المنطقة على نحو شامل.

يُعدّ الكاتب البريطاني جون ماكهيوغو، وهو محام في القانون الدولي ومستعرب ذو خبرة تمتد لعقود في شؤون الشرق الأوسط والبلدان العربية، وعضو في مجلس تحسين التفاهم العربي-البريطاني (كابو) ورئيس أصدقاء فلسطين في الحزب الليبرالي الديموقراطي، من أبرز الدّارسين للتاريخ الحديث للمنطقة وقد سبق له أن وضع كتابًا بعنوان «المختصر في تاريخ العرب« سنة 2013 ويمكن القول بأنّ مؤلّفات ماكهيوغو لا تستهدف القارئ المتخصّص أو الأكاديمي، بل -ربما- يصحّ تصنيفها ضمن القراءات الشاملة التي تُعرّفُ القارئ الغربيّ بأبرز المحطات التاريخية التي رسمت ملامح الوجه الحاليّ لمنطقة الشرق الأوسط. وتُحسَبُ لماكهيوغو قطيعته مع السرديّة الكولونياليّة والاستشراقية في تناول التاريخ المشرِقيّ، كما أنّه لا يخفي تعاطُفه مع القضايا العربية وإدانته للخديعة التي تعرّضت لها الثورة العربية الكُبرى، بقيادة الشريف حسين، من قِبَل بريطانيا وفرنسا وتأثيرها بما لحق بالمنطقة من نزاعات دموية.

في كتابه الصادر بالإنكليزية سنة 2015 بعنوان «المئة عام الأخيرة في تاريخ سورية« يعرِض ماكهيوغو للخلفيّة التاريخية التي يعتقد أنّها شكّلت المدخل الموضوعيّ لما شهدته الكيانات التي انبثقت عن سوريا الكُبرى (بلاد الشام) بفعل السياسات التي انتهجتها الدول الاستعمارية خلال مطلع القرن العشرين بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، وما تبعه من تفاهمات على تقاسم تركتها في المنطقة العربية، وأدّت إلى تجزئتها عبر خرائط وضعتها تلك القوى، وكانت سورية بخريطتها الحاليّة إحداها.

وبحسب ما يذهب إليه ماكهيوغو، فإنّه لا يمكن تجاوز الحقبة الاستعمارية لدى قراءة الواقع الراهن للمنطقة، إذ إنّ اتفاقية سايكس-بيكو لم تكن تهدف لرسمِ حدود تسهّل إدارة الكيانات الناشئة، وتضمن بقاءها تحت الهيمنة وحسب، بل كانت مراميها أبعد من ذلك، في إمعانها باستهداف شبكة الأمان المجتمعيّ واستغلالها للتمايزات الدينية والاثنية والمذهبية، وإثارة النزاعات، انطلاقًا من تفجير تلك التمايزات؛ ما سيضمن عدم استقرار هذه الكيانات وتقويض أسس أمانها الاجتماعي؛ ما سيبقيها في حالة من الضعف وعدم الاستقرار. وكما يقول الكاتب فإنّ طموحات كل من فرنسا وبريطانيا لم تكن وليدة القرن العشرين فحسب، بل تمّ نسجها على مهل منذ مطلع القرن التاسع عشر. ولعلّ في مثال التدخّل الفرنسي في الأحداث التي شهدها جبل لبنان سنة 1860؛ ما يعزّز من هذا الرأي. وفي هذا السياق فإن ماكهيوغو يعدّ أنّ تلك الطموحات لم تكن خالية من شبهة استلهام دوافع الحملات الصليبية على المنطقة، ويوردُ مثالًا على ذلك، رواج أغنية “شدّ الرحال إلى سورية” وهي أغنية راجت في فرنسا إبّان حملة نابليون على مصر؛ حتى كادت تطغى على نشيدها الوطنيّ.

أدركت كل من بريطانيا وفرنسا خطر مشروع الأمير فيصل بن الحسين؛ لإقامة دولة وطنية في سورية الكٌبرى على مخططاتها هناك، ولم تدّخر جهدًا بُغيةَ إفشال مشروعه ذي الملامح الوطنية الدستورية في ما عُرِف بالمملكة العربية السورية. وفي هذا السياق، فإنّ ماكهيوغو يشيرُ بكثير من الأهمية الشخصية إلى مشروع الأمير فيصل بن الحسين وشخصيّته. وكما يقول المؤلف، فإنّ ذلك المشروع شكّل نواةً في غاية الأهمية لتأسيس دولةٍ حديثة وديمقراطية، كما لفت الانتباه لحرص الأمير فيصل على ترسيخ مفهوم الوطنية السورية فوق كل حسبان آخر؛ ما تجلّى في خطبته التي ألقاها في دمشق، إبّان دخوله إليها؛ حيث شدّد فيها على أنّ “العرب كانوا عربًا من قبلِ موسى وعيسى ومحمّد”، وأنّ “الجميع متساوٍ في كنف الدولة الوطنية”. تكرّر الأمر في حلب -أيضًا- حين ألقى فيصل كلمةً أكّدت على المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات. وبهذا الصدد فإنّ ماكهيوغو يسلّط الضوء على شخصية بارزة في العهد الفيصليّ وهي شخصية الحاكم العسكري لحلب في العهد الفيصلي، وهو العراقي الموصليّ جعفر العسكري ( 1886-1936)، وفي تلك الأثناء كان ارتباط حلب بالموصل أقوى من ارتباطها بدمشق، وكمدن تجارة كوزموبوليتانية واقعة على طريق الحرير، ومن دون فاصل جغرافي بينهما، تبادلت المدينتان الشماليتان التجارة طيلة مئات السنين، إنْ لم نقُل آلافها.”

كانت مسؤولية العسكري إعادة الاستقرار لمدينة حلب التي كانت آنذاك تشهد اضطرابات، بين سكانها العرب وسكانها الأرمن، على خلفية اختطاف عدد من النساء الأرمنيات اللواتي قام الأتراك بتصفية الرجال الأرمن المسؤولين عنهنّ، وقد تمكّن العسكري بفضل حكمته وحسّه الوطنيّ من تهدئة الخواطر وإعادة قرابة 500 مخطوفة إلى عائلاتهنّ، وفي الوقت الذي كان فيه العسكري منخرطًا في توحيد صفّ المكوّنات الإثنية والدينية للسكان، كان الفرنسيون يعملون بلا كلل ولا ملل لإثارة التفرقة على أسس دينية وطائفية، كاستمالتهم للحلبيين الكاثوليك وما إلى ذلك.

وبحسب ما يذهب إليه ماكهيوغو، فإنّ شخصية فيصل ابن الحسين لم تكن شخصية بسيطة تعوزها الحنكة أو الدّراية، على العكس، فقد كان براغماتيًا بذل ما استطاع في سبيل ضمان الحقوق العربية، وسط مشهدٍ متخبّط واختلال في موازين القوى. ويستشهد الكاتب باقتباسات من الكلمة التي ألقاها الأمير فيصل في عصبة الأمم المتحدة، والتي أبدى فيها التزامه حماية المكوّنات المتنوّعة في سوريا الكُبرى، وأشار فيها إلى أنّ اليهود والعرب أبناء عمومة –تاريخيًّا- وأنهم سيعملون يدًا بيد لبناء دولتهم الحديثة، غير أنّ موقفه كان ضعيفًا نتيجة لعدَة أسباب، كان أبرزها؛ عدم وجود جيش قويّ مدرّب، واعتماد جيشه على العتاد والتدريب البريطاني إلى جانب أنّ القوّات البريطانية، التي كانت هي من يمسك بفلسطين آنذاك. ولا يفوت المؤلّف الإشارة إلى الدور الأساسي الذي لعبه البريطاني المعروف باسم لورنس العرب -المستشار العسكري والسياسي للأمير فيصل- حتى أنّ ماكهيوغو يذهب إلى القول بأنّ لورنس كان يحرّف الترجمة في مداولات فيصل مع البريطانيين ومع حاييم وايزمان، كما أنّه لم يتورّع عن تضليله كذلك في مسائل مهمة عديدة.

ويضيف ماكهيوغو في الفصل الذي خصّصه لتناول السياسات الفرنسية في سورية إبّان الانتداب الفرنسي قائلًا بأنّ فرنسا التي كانت تتغنّى بقيم الدستور والحريّات التي واكبت صعود القوميّات الأوروبية، لم تكن في واقع الأمر تريد لتلك القيم أن تجد طريقها إلى البلاد التي وضعتها تحت هيمنتها، وذلك في تعارض صارخ مع ما ادّعت أنّه “مهمة حضارية وثقافية” كما وصفها المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، ولم تتورّع فرنسا -مثلًا- عن قصف دار البرلمان السوري، بوصفها رمزًا ونواةً للحياة الدستورية في البلاد.

 

ما أشبه اليوم بالأمس..

 

في فصوله الأخيرة يناقش الكتاب حقبة ما بعد الاستقلال، وحقبة الانقلابات العسكرية، وحجم التدخلات الغربية فيها؛ وصولًا إلى صعود العسكرتارية البعثية، وإمساك الأسد الأب بمفاصل البلاد على نحوٍ غير مسبوق في التاريخ السوري الحديث، وتجربة التوريث التي شهدتها البلاد بعد رحيله، وانتقال السلطة إلى ابنه الذي -كما يقول ماكهيوغو- كان ضحيّة تصديقه للبروباغاندا التي روّجها الأسد الأب طوال عهده، والتي من المؤكّد أنّه كان نفسه مدركًا زيفها، وخلافًا لزعماء، كستالين مثلًا، فإن الأسد لم يكن يعاني من البارانويا طالما أنّه ضَمَن تفشّيها في صفوف تابعيه. يقول الكاتب في هذا السياق أنّ أبناء الأسد صدّقوا ما ابتدعه أبوهم، ولعل ذلك تجسّد في سياسات ابنه الوريث الذي أدّت سياساته إلى تقويض التوازن المعقّد الذي أرساه الأسد الأب.

وأمام الثورة الشعبية التي انطلقت عام 2011 في سورية، فإنّ نظام الأسد الابن سُرعان ما استحضر الأنموذج الفرنسي في التصدّي للثورات الشعبية العديدة التي شهدتها البلاد، إبّانَ الاحتلال الفرنسي؛ وكيف لم يتوان الفرنسيون عن استخدام العنف المفرط تجاه المنتفضين والثوّار. ومن الملفت للانتباه هنا أنّ عددًا من المناطق التي شهدت الانتفاضات الأولى ضد الفرنسيين هي نفسها التي بادرت للانتفاض في وجه النظام السوري عام 2011؛ سواء في حوران أو في جبل الزاوية شمالي سورية. كما يشير ماكهيوغو إلى ركون النظام السوري لاستغلال الورقة الطائفية، واستخدامها في صراعه مع الثوّار؛ بهدف إقناع العالم أنّ ما تشهده بلاده هو صراع مذهبي وطائفي، وليس حركة تحرر شعبيّة. كما يقارن بين استدعائه للدعم الأجنبي (من إيران وروسيا والعراق) وما أقدم عليه الفرنسيون من استدعاء تعزيزات من مستعمراتهم الإفريقية لقمع الثورة السورية الكبرى. كما لا يغفل الكاتب دور الدول الغربية والإقليمية في تأجيج وإطالة أمد الصراع في البلاد، وأنّ سورية لطالما دفعت ثمنًا باهظًا لقضايا غير سورية أصلًا، كما يشدّد على أنّ ما يتردد في الأوساط الغربية حول تقسيم سورية -بهدف حلّ الصراع الدائر فيها- لن يكون سوى خطأ كارثي آخر يضاف إلى كوارث وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو.

 

وعن زيارته الأولى لسورية، وتصوره لمستقبلها، يقول المؤلّف: “في رحلتي الأولى لسورية سنة 1973، التقيتُ بمسيحيين أرثوذوكس وبمسلمين من الإسماعيليين وآخرين من السُنّة (وبحسب ما أذكر، فإنّه لم يصادف وأن التقيت علويّين أو دروزًا)، كان أكثر ما أدهشني هو ذلك الشّبه الكبير بينهم جميعًا، لقد كانوا متشابهين على نحوٍ يفوق أي اختلافٍ بين دياناتهم. وعندما عدت إلى سورية آخر مرة في نيسان 2012، لمستُ الشيء عينه في الوقت الذي يُجبَرُ فيه السوريون على النكوص نحو هوياتهم الطائفية أسوةً بما يجري في بعض الدول العربية الأخرى. وعلى الرغم من أنّ الصراعات تنكأُ جراحًا طائفية، المنشأ، وتُغيّر البشر بشكل دائم نحو الأسوأ، تاركةً ضغائنها التي تستوطن النفوس لأجيال، إلاّ أنّني أرفض التصديق بأنّ العَلْمانية العفوية السورية، والمبنيّة على الاحترام المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة قد ولّتْ، كما أدرِكُ جيّدًا بأنّ كثيرين سيعدّون اعتقادي هذا بمنزلة امتحان للإيمان. مهما يكن الأمر، فإنّ الوقت وحده سيتكفّل بالإجابة.

يقع الكتاب في سبعة فصول، توزّعت على 291 صفحة، إضافة إلى قائمة بأبرز المحطات التاريخية لبلاد الشام، منذ ما قبل الميلاد؛ وحتى اليوم، إلى جانب أبرز الخرائط التي عرفتها المنطقة، وقد وصفه نيكولاس فاندام صاحب كتاب «الصراع على السلطة في سورية «بأنّه “دراسة “ساحرة جاءت في الوقت الملائم”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق