تحقيقات وتقارير سياسية

“الجيش الموحد” مبادرة لإنقاذ الغوطة الشرقية

أصدرت اللجنة السياسية التابعة للهيئة العامة في الغوطة الشرقية، قبل يومين، مبادرة بعنوان “جيش الإنقاذ الوطني”، تدعو -من خلالها- لطي صفحة الخلاف واندماج الفصائل العسكرية العاملة في المنطقة ضمن تشكيل واحد، بناء على وزن أو ثقل كل تشكيل، مقترحة أن يُبنى هذا الإطار الموحد وفق هيكلية واضحة، بهيئة سياسية مدنية ومجلس شورى عسكري، إضافة إلى أطر وأدوات أخرى، وبحسب نص البيان، تكون نسبة كل من جيش الإسلام، وفيلق الرحمن، طرفي النزاع الرئيسين، 40 بالمئة لكل منهما، في حين حصة كل من حركة أحرار الشام الإسلامية ولواء فجر الأمة 10 بالمئة لكل فصيل، وتندمج بقية الكتائب والمجموعات في التشكيل الجديد.

الجيش الموحد

ضمان نجاح المبادرة التفاف الشارع حولها

هذه المبادرة تأتي في أحوال شديدة التعقيد، تمر بها الغوطة الشرقية بريف دمشق، حيث استطاعت قوات النظام -خلال اليومين الماضيين- السيطرة على كل من تل كردي وتل الصوان على أطراف مدينة دوما، وهو ما ينذر بالأسوأ في حال استمر الشقاق بين أبرز فصيلين عسكريين ضمن المنطقة، ما دفع بالعديد من ناشطي الغوطة للتساؤل حول فرص نجاح هذه المبادرة، في حين فشلت عشرات المحاولات السابقة في إنهاء الخلاف وجمع الطرفين على أسس مشتركة.

في هذا السياق، قال المحامي محمد سليمان دحلا، رئيس الهيئة العامة في الغوطة الشرقية، لـ (جيرون): “تمتلك المبادرة فرصًا طيبة للنجاح، خاصةً أن الحاضنة الشعبية داخل الغوطة الشرقية في حالة غليان، وتريد حلًا جذريًا ينقذ المنطقة من السقوط في فخ المصالحة، والعودة إلى حضن الوطن، وأعتقد أن فرص نجاحها تُقاس بمدى التفاف الشارع في مدن وبلدات الغوطة حولها”.

في المقابل، عدّ عدد من الناشطين داخل الغوطة الشرقية أن هذه المبادرة بمنزلة النداء الأخير؛ لإنقاذ مناطقهم من السيناريو الأسوأ، المتمثل بسقوطها بيد النظام، والتهجير باتجاه مناطق الشمال السوري، على غرار كل من داريا والمعضمية وغيرهما، إلا أن دحلا رفض هذا التوصيف، وقال: “ليس هناك شيء اسمه النداء الأخير؛ لأن الثورة مستمرة، ورجالاتها كثر، ولن يتخلوا عنها ويستسلموا لليأس، ببساطة، المبادرة هي لإنقاذ الغوطة الشرقية بما تحمله هذه البقعة الجغرافية من أهمية استراتيجية للثورة السورية عمومًا، ولا سيما في ظل سياسة المصالحات المناطقية، برعاية الاحتلال الروسي وعملائه في العاصمة دمشق، وبالتالي؛ صمود الغوطة وعافيتها لا يقطع الطريق بوجه المخططات العسكرية للنظام وحلفائه فحسب، بل وعلى مجمل ما يُطرح من حلول ومشروعات سياسية”.

تعقيدات المشهد السوري وإمساك أصحاب القضية بقرارها

ذهب بعض الآراء داخل مدن وبلدات الغوطة إلى أن الخلاف بين “جيش الإسلام”، من جهة، و”فيلق الرحمن”، من جهة أخرى، لا يرتبط بمسائل تنظيمية فصائلية، أو تفصيلات هنا وهناك، بقدر ما يرتبط بمعادلات سياسية إقليمية، لها ما يكفي من الثقل على الفصيلين كليهما، وهو ما دفع ببعض الناشطين لكيل الاتهامات للطرفين بالارتهان للخارج، وعدم امتلاك قرارهما، إلى جانب عدم رغبة أي منهما في طي صفحة الخلاف والسير قُدمًا باتجاه توحيد الجهد العسكري، بما يسهم في تحصين الجبهة الداخلية أمام الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الغوطة منذ أشهر، وهو ما أوضحه دحلا بقوله: “لا أعتقد أن توصيف الواقع على أساس أن الخلاف سياسي بين الطرفين دقيق تمامًا، وأعتقد أن الأصح هو أنه على مستوى الثورة السورية -عمومًا- هناك صراع مشروعات خارجية إقليمية ودولية، حيث تتناقض مصالح تلك الدول أو القوى أحيانًا، وتتقاطع أحيانًا أخرى؛ ما يجعل المشهد السياسي والميداني في سورية شديد التعقيد، ومن هنا ينبغي التأكيد بأنه ينبغي على أصحاب القضية استعادة القرار؛ لأن قضيتهم عادلة وأصبحت أكثر عدلًا بعد أن تحول مشروعهم من نضال ضد الاستبداد إلى كفاح ضد الاحتلال وعملائه، ولذلك؛ تجدر الإشارة إلى أن المبادرة المطروحة من الممكن أن تنجح وتحتاج إلى تضافر جهد المخلصين كافة، في الداخل والخارج، باتجاه إنجاحها”.

المتتبع لإيقاع الآراء داخل الغوطة الشرقية، سيلمس انقسامًا واضحًا بين فريقين، إن صح التعبير، أحدهما متفائل بإمكانية عودة الأمور أفضل مما سبق، وآخر متشائم يرى بأن الطرفين لا يمتلكان أي نية حقيقية لفتح صفحة جديدة، تنهي هذه الحقبة من الخلاف والاقتتال، عادًّا أن أي أمل لجمع الطرفين بات ضئيلًا جدًا، ومن جهته، قال دحلا: “بالتأكيد المصالحة وإنهاء الخلاف ممكن؛ لأن المصلحة المشتركة تضغط على الجميع؛ ولأن هناك إرادة حقيقة لدى قائدي الفصيلين لحل الخلاف، على الرغم من وجود من لا يتوقف عن محاولاته لعرقلة أي جهد للمصالحة والاتفاق، ويواصل وضع العصي في الدواليب، لكننا لن نفقد الأمل؛ فعدالة قضيتنا أكبر من كل المعوقات، وبوصلة الشارع لا تخطئ، وهنا أود التأكيد أن محاولة تصدير الأزمة الفصائلية إلى الشارع لن تجدي نفعًا، وسرعان ما سيعود الشارع إلى الأهداف الوطنية الجامعة”.

عقلية الغلبة وعقلية الشراكة

الحديث عن المبادرة المطروحة -أخيرًا- لا يمكن أن يمر دون الإشارة، إلى أنه أعقبها لقاء بين قائد “جيش الإسلام”، أبو همام البويضاني، وقيادة جيش الفسطاط بحضور ممثلين عن “فيلق الرحمن”، في مدينة مسرابا؛ لتسوية الخلاف، ورشحت عن اللقاء أنباء إيجابية، تؤكد الاتفاق بين الجميع على ضرورة إنهاء الخلاف والشروع -فورًا- في تنفيذ الخطوات الكفيلة بذلك، قبل أن يبدد ذلك التفاؤل منع أحد حواجز الفيلق، على مداخل بلدة حمورية، وفدًا من قيادة “جيش الإسلام”؛ لحضور مؤتمر نظمه المجلس العسكري بعنوان “الغوطة إلى أين”، وفي هذا الجانب، قال دحلا: “أعتقد أن هذا التصرف جزء من عقلية وثقافة الغلبة التي سادت منذ سنتين، والحل يكمن في استبدالها بعقلية الشراكة، وهو ما نسعى إليه من خلال المبادرة الأخيرة، أما عن مستقبل الغوطة أو السيناريوهات الممكنة، فأعتقد أن الأوضاع عامل متغير، وهي ستتغير حتمًا؛ لتعود الثورة كما كانت، فالمولود الجميل يأتي بعد المخاض العسير، والغوطة ستلد مولودها الجميل بإذن الله”.

شدد دحلا -أخيرًا- على أن خيار المصالحة مرفوض رفضًا قاطعًا، مشيرًا إلى أن هناك فرق بين الهدنة التي تأتي ضمن إطار وطني، وتحت سقف الحفاظ على ثوابت الثورة، ومن الممكن الوصول إليها عبر وسيطٍ دولي ضامن، وبين المصالحة بما تعنيه من استسلام معلب بمقولة الهدنة المحلية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق