أدب وفنون

الفيل.. يا قراقوش الزمان

قال حمارويه لجحا السوري:

– إلى متى ستظلّ هكذا؛ مُهجَّرًا في بلاد الله؛ رافعًا رايتكَ ضد قراقوش؛ تسخر منهُ في ليلِكَ ونهارِك؟.

قال جحا: – وبِمَ تنصحني يا.. حماري؟

ردّ حمارويه:

– أن تُعلِنَ مُبادرةَ صُلحٍ مع قراقوش؛ فتُبادِرَ إلى السِلمِ؛ لعلَّ ربَّ العِبَادِ يُهدِيه.

قال جحا:

– ألا ترى السوريينَ في كلِّ وَادٍ هائِمِينَ؛ وقراقوشُ لا يُبادِرُ سوى إلى سيفه وجَلَّاديه؛ وليسَ لنا نصيرٌ سوى الله؛ بينما ينتشلُهُ حلفاؤُهُ من دمنا المسفوك؛ وتسكت عنه أُمَمُ المافيا كلّها!.

قال حمارويه:

–  قراقوشكَ ابنُ آلِ الوحش؛ يظنّ نفسه أسدًا؛ وهو أقربُ إلى الزرافةِ لطول رقبته؛ ودَلّعَتهُ عشيقته بالبطّة؛ أمّا قراقوشنا فلَيثُ غابةٍ حقيقيّ.

فضحك جحا:

– أحسِدُكَ على مليككَ؛ فهو لا يقتل إلا إذا جاع؛ أما قراقوشنا فَمِن نَسلِ مصّاصي الدماء؛ بل إنه مزيجٌ مِن وَضَاعَةِ أبناءِ آوى؛ ومِن بلاهة الخنازير.

فنهق حِمَارويه:

–  فمن هؤلاء وقد ذهبوا إليه؛ لم يُفوِّضهُم أحدٌ؛ لِيُصافِحَوا يدَهُ وهي تَنِزُّ دمًا؛ ثمّ صاحوا بعد تردُّدٍ:

– جئنا يا مولاي لتزويجَ الفيلِ حتى لا يُصَاب بمرضِ التوحُّد.

فضحك قراقوش بكلّ بلاهته قائلًا:

– كنّا قد زوَّجَناهُ زواجَ الفسادِ بالاستبداد؛ فأنجبَ لكُم شبّيحةً من الفِيلَةِ الصِغَار لتدوسَكُم؛ ومِن حَولِهِم ذِئابُ حالِشَ وثعالبُ خراسان.

قال جحا:

– كأنك تُذكِّرُني بمسرحية سعد الله ونّوس!

فنهق حمارويه:

– بل.. بكواليسها؛ فما كُلُّ ما يُعرَضُ على الخشبة هو الحقيقة؛ بل إن الحقائقَ موجودةٌ خلفَ الكواليس.

قال جحا:

– فمتى قرأتَ مسرحيةَ ونّوس؟!.

قال الحمار:

– بل حضرتها؛ حين عُرِضَت في مسرح القبّاني.

قال جحا:

– أنا حضرتها ولم تكُن معي في الصالة!

قال الحمار:

– لكنّي تبِعتُكَ؛ وكان الزحام كثيفًا عند باب المسرح؛ ثم رأيتُ بابًا خلفيًا؛ فدخلتُ وتواريتُ في الكواليس؛ فلمّا رآني الممثلونَ؛ ظنّوا بأنَّ المخرجَ قد أسندَ لي دورًا؛ وبأنه سيفاجئ الجميعَ بي؛ وصارت ممثلةٌ تتغزَّل بي في الكواليس: – شوفوا هذا الكُرّ ما أحلاه؛ ثم انتهى العرضُ فخرجتم منهُ مذهولين؛ تتفادونَ الفِيلَةَ التي داست كراماتِ الناس؛ وملأت شوارعَ دمشقَ بالشبّيحة والمُخبرين؛ وأنتم سكتُم عنها أربعينَ عامًا؛ ثمّ صَمتُم عن توريثِ الوحش الأب لابنهِ الوحش الصغير؛ حتى فاض الكيلُ بِكُم من شفافيته؛ ومن تحديثهِ لأجهزةِ أمنه بينما يُلهِيكُم بالحديث عن التطوير والتحديث؛ ولا تحديثَ ولا تطويرَ لكلِّ أنظمةِ شرقستان؛ سِوَى بزوالِها أجمعين.

ردّ جحا: – لكنّا لم نصمت؛ أما سمعتَ ببيانِ ال 99 مثقفًا سوريًا وبيان الألف مثقف؛ وبربيع دمشقَ الذي بدأ قبل عشر سنواتٍ من كلِّ هذا الربيع العربي؟!

نهق حمارويه: – فخرجَ لكم الخدّامُ نائبُ الابن وأبيه معًا؛ فاتهمكُم بِوَهنِ نفسيةِ الأمّة؛ وبالعمالة للإمبريالية ولإسرائيل؛ ثم أغلقوا مُنتدياتكم السياسية في دمشق وحلب وسواهما؛ حتى صار مصطلح: المجتمع المدنيّ؛ مُرَادِفًا لدى نظامِ آل الوحشِ للتعامل مع الاستخبارات العالمية.

تنهَّد جحا السوري: – كم حلمتُ أن تبدأ ثورةُ السوريين مع ربيع دمشق عام 2000.

فنهق حمارُهُ: –  بينما كنتُ وقتَهَا؛ ومازِلتُ في أشدِّ رغبتي لأرفسَ أحدًا للتوّ.

ابتعدَ جحا مسافةَ أمانٍ؛ فطمأنه حمارويه:

– لستَ أنتَ يا صاحبي؛ سأرفِسُ كُلَّ من يمُدُّ يدًا ليُصَافِحَ القتلة.

 

*- من حكايات: جحا السوري وحماره وقراقوش.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق