تحقيقات وتقارير سياسية

الحشد قادم.. الموصل والرقة

بتوافق ضمني بين الإدارة الأميركية وإيران، وضمن الملفات السرية التي رافقت توقيعهما على الملف النووي، يجري العمل على قدم وساق؛ لتمهيد الطرق وبذل الوسائل التي تمكّن إيران من إحكام سيطرتها على اليمن والعراق وسورية ولبنان، ضمن استراتيجية تهدف إلى إفراغ المدن من سكانها الأصليين، من خلال التهجير القسري الممنهج، وإجراء تغييرات ديموغرافية تهدف إلى إحلال الايرانيين محلّهم، وتتويجًا لهذا؛ جنّس النظام الأسدي أكثر من مليوني إيراني، وإسكانهم في القصير وحمص والغوطة وقدسيا وداريا والهامة، مع السعي من النظام إلى إحراق قيد النفوس في كل تلك المدن والمناطق؛ لمحو أي إثبات لحقوق وأملاك السكان الأصليين.

السيناريو ذاته يُعمل به في العراق، فقد عمدت (داعش)، والتي هي صنيعة المخابرات الأميركية والإيرانية، إلى إحراق السجلات المدنية في كل القرى والمدن العراقية التي تنسحب منها؛ ليستلمها الحشد الشيعي، ويعمل على ذبح السكان الأصليين وإحلال الغزاة محلّهم، وعمدت داعش قبل أن تغادر الأراضي العراقية، وبتعليمات أميركية – إيرانية،  على إحراق السجل المدني والسجلات العقارية بالموصل.

وقد رافق الغزو الأميركي للعراق، واجتياح بغداد 9 نيسان/ أبريل 2003، نهب المتحف العراقي وتدمير المؤسسات الحكومية، وإتلاف الأرشيف الوطني العراقي، وتدمير مبنى الأحوال المدنية وإحراقه، تلاه دخول أكثر من 600 ألف إيراني.

عصابة الأسد الطائفية أحرقت السجلات العقارية في حمص ودير الزور والقصير وريف دمشق كاملة،  وغدًا سيكون دور الرقّة والحسكة، هي سياسة أميركية، والأداة لتنفيذ التغيير السكاني هي إيران ونظام الأسد.

الموصل ستسقط عاجلًا أم آجلًا، وسينسحب الدواعش تكتيكيًا باتجاه سورية، هكذا تقتضي خطة أوباما، الأب الروحي لأصحاب الرايات السود، وكالعادة ستهرب (داعش) من الموصل، كما هربت من بقية المناطق في سورية والعراق، لكن بعد أن تكون قد أعطت الحجج؛ لتدمير تلك المناطق وتشريد أهلها، وتعطي الذريعة لملاحقتها من الحشد الشيعي إلى سورية؛ بحجة القضاء عليها، بموافقة ومباركة دولية، وبالمحصلة؛ ستتمكن إيران من الدخول المشرعن إلى سورية، بحجة محاربة الارهاب والقضاء على داعش.

هاهو الحشد الشيعي يتوعد بالقضاء على (قتلة الحسين في الموصل)، كما صرح الشيخ حامد الجزائري: (الحشد والعبادي والعراق بأكمله يتحرك تحت أمرة سليماني؛ لأنه يحارب الكفر دفاعًا عن الشيعة).

هناك قرار أميركي بمنع العرب السنّة في العراق وسورية من تحرير مدنهم وعدم تسليحهم؛ لأن أهل السنة لا يستحقون الحياة، والديمقراطية الوحيدة التي يسمحون لهم بها هي ديمقراطية الموت، والإنسان الجيد هو الميت فقط برأيهم، والهدف الذي يريدون تحقيقه هو إطالة أمد الصراع والاقتتال والحروب بين المكونات، وتأجيج روح الانتقام والحقد والكراهية والثأر، وفي النهاية، إحداث  تغيير في الورديات والمسميات، وتبادل في الأدوار والمهمات لأذرعهم في المنطقة.

من يراقب معارك تنظيم الدولة في العراق والشام، سيعلم أن قوته مجرد وهم، ووجوده لتطبيق أجندات خاصة فحسب، وأول سبب لوجوده هو إقناع المجتمع الدولي بأن الأسد يقاتل إرهابيين إسلاميين متشددين، راقبوا انسحابات تنظيم الدولة من تدمر وغيرها، وستعلمون مدى هشاشة هذا التنظيم الذي برر انسحابه بالانسحاب التكتيكي.

في الموصل قُطعت الاتصالات والإنترنت كاملة عن المدينة؛ كي لا يعرف العالم ماذا سيجري هناك من انتهاكات وقتل.

الموصل معقل أهل السنّة الأخير في العراق، وقد أعطت كثيرًا من الشهداء، من ضباط وجنود، وكان منها صفوة القادة الذين دحروا جيش الخميني في حرب امتدت لثمان سنوات.

عامان من الحصار والجوع، واليوم تستكمل الجريمة؛ لاستباحة دماء أكثر من مليوني مسلم، بالعملية المزمعة لطرد تنظيم الدولة من مدينة الموصل العراقية، ما سيترتب عليها من صراع طائفي (دماء ونار) في المنطقة.

ما تخططه أميركا للعراق تطبقه حرفيًا في سورية، وفي الرقة لاحقًا، فهم يريدون استمرار القتل والتدمير بهدف الربح من بيع السلاح، وفي المستقبل الكسب من إعادة بناء ما تدمًر من سورية، على حساب دماء شعبها.

الرقة التي أنشئت عام 242 قبل الميلاد، وسميت في البداية كالينيكوس، وهي من أقدم مدن العالم، تعرضت للخراب ثلاث مرات في تاريخها: الأولى عام 679 ه، حيث استولى عليها التتار فخربوها، والثانية عندما حلً الطاعون فيها عام 749 هـ، فرحل عنها من بقي حيًا من أهلها، أما المرة الثالثة، فكانت  أغار المغول عليها وخربوها عام 1228 م، حين أغار عليها المغول ودمروها.

“تحرير الرقة”، “استعادة الرقة”، “قصف الرقة”، “تدمير الرقة”، “تهجير أهل الرقة” الأصليين، وتفريغها وتسليمها للحشد الشيعي ومليشيات النظام الأسدي المجرم، كلها تسميات مطروحة وتندرج تحت مسمى “سورية المفيدة”، وكلها تلمح إلى خراب رابع ينتظرها؛ لأن وضع الرقة يرتبط بالمصالح الدولية والتوافق بينها، دون الاهتمام بها وبسكانها، الرقة في مواجهة أوباش يقودهم الحقد والكراهية لشعب أراد الحرية والكرامة؛ فحورب من كل طواغيت الأرض.

تتسارع الأحداث والمعركة التي أعلنت عنها أميركا، وبدأت ملامحها تظهر أكثر فأكثر، وتعدّ الزيارة التي قام بها قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، الجنرال جوي فوتيل، أخيرًا، إلى شمالي سورية، هي الجزء النهائي من الخطة.

حصر الأميركيون جهدهم في تأمين خطوط الدعم والإمداد، وعلى الأغلب ستنسحب داعش وتسلم الرقة للميليشيات، بالأسلوب نفسه الذي سلمت فيه (تل أبيض وتدمر والعديد من المناطق الأخرى)، وهذا تأكيد لصحة حديثنا -منذ بداية الثورة- أن هناك مخططًا كبيرًا يُعمل عليه؛ لتقسيم سورية.

الحديث الذي يجري تداوله عن تحركات عسكرية باتجاه مدينة الرقة، دفع الحراك الشعبي في محافظة الرقة، إلى عدّ أي قوة عسكرية تدخل المدينة هي قوة عسكرية محتلة للمدينة، ما لم تكن هذه القوة تحت راية الجيش الحر، وعلى رأس هذه القوة أبناء الرقة.

المخطط مخيف في حال تنفيذه، وتحقيق هدفه في إطالة الاقتتال بين كل مكونات الشعب السوري، وتفتيت النسيج الواحد، والعمل على افتراقه واختلافه، وسيكون له تأثيره السلبي المباشر على منفذيه، وسيكون هناك مزيد من الدماء، ولن تنطفيء جذوة الرغبة في الثأر ممن وقف مع الطغاة وساهم في خراب الرقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق