تحقيقات وتقارير سياسية

عودة ظاهرة الاغتيالات في المخيمات الفلسطينية في سورية

أعادت حادثة اغتيال الناشط الإغاثي الفلسطيني، خالد أسعد الخالدي، في مخيم خان الشيح قبل أيام، ظاهرة اغتيال ناشطي الإغاثة وقيادات العمل الوطني الفلسطيني داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين إلى الواجهة، وتفتح الباب واسعًا لطرح تساؤلات عديدة عن أسباب هذه الاغتيالات والهدف من تصفيات الناشطين والقيادات الفلسطينية المحلية في اليرموك؟ وما الجهات التي تقف وراء تلك الإغتيالات؟ ولمصلحة من يتم تصفية هؤلاء الناشطين الذين تشابهت طرق وأساليب اغتيالهم في كثير من الأحيان؟

“الخالدي” وهو أحد متطوعي “هيئة فلسطين الخيرية” (التابعة لحركة الجهاد الإسلامي)، والذي اغتاله أحد قناصة النظام السوري يوم 27 من الشهر المنصرم في أثناء محاولته الذهاب إلى بلدة “زاكية” في الغوطة الغربية لدمشق لتأمين الخبز لأهالي المخيم المحاصرين منذ أكثر من شهر، والذي استنكرت “الشبكة الأوروبية لفلسطينيي سورية” مقتله بشدة في بيان صحفي تلقت صحيفة “جيرون” نسخة منه، أعاد بدمه في الأوساط السياسية والوطنية الفلسطينية في سورية، ضرورة فتح سلسلة الاغتيالات التي شهدتها المخيمات الفلسطينية في الأراضي السورية وخاصة مخيم اليرموك المحاصر منذ قرابة الثلاث سنوات، والذي تعرض عدد من ناشطيه إلى الاغتيال من قبل قوات النظام وتنظيم “داعش الإرهابي وجهات عدة ما تزال إلى اليوم مجهولة، بسبب الفراغ الأمني وعدم وجود جهة تتولى التحقيق في ملابسات الاغتيال وتلاحق الفاعلين، وهو ما أسهم في تنامي عمليات الاغتيال والتصفيات الفردية.

مخيم اليرموك في عين العاصفة

يلاحظ المراقبون المتتبعون للأحداث الدامية المتلاحقة داخل مخيم اليرموك أن تصاعد وتيرة الاغتيالات مرتبط بالدرجة الأولى بتصفيات الحسابات الميدانية داخل المخيم المحاصر من قبل قوات النظام وميليشيات فلسطينية موالية له بقيادة أحمد جبريل (أمين عام الجبهة الشعبية/ القيادة العامة)، وكذلك بابرام اتفاقيات المصالحة مع حكومة النظام أو قرب أي حل يفضي بإخراجه من أتون الصراع الدائر في سورية أسوة بالمناطق المجاورة له (يلدا – ببيلا – بيت سحم) التي وقعت هدنة مع النظام السوري، وفي هذا السياق يأتي اغتيال الناشط الفلسطيني “محمد خالد فرج” الملقب بأبي عمر، قنصًا على أيدي تنظيم “داعش” أوائل أيلول/ سبتمبر الماضي، لاتهامه بأنه كان ينتمي لتنظيم “جيش الإسلام” في المخيم، وذلك بعد خروجه من صلاة العشاء من المسجد في منطقة يلدا. ومن قبله اغتيال الشاب “بهاء الأمين” على يد مجهولين في أواخر تموز/ يوليو الماضي، إثر قنصه قرب حاجز “المخبز الآلي” في اليرموك. ومن المؤكد أن اغتيال “فرج” والأمين” يُعد دلالة واضحة أن هناك يد عابثة تريد ألا يخرج المخيم من دائرة الاستهداف والحصار والقتل.

وبالعودة لتفاصيل الفترة السابقة يرى المتابعون أن جميع من تعرضوا لحالات الاغتيال معظمهم من الناشطين في مجال الإغاثة أو من أصحاب مبادرات فك الحصار والعودة بالمخيم الفلسطيني إلى ما يسمونه “مربع الحياد”، بقصد ابعاد المخيم عن تجاذبات واستقطابات الحالة السورية بين النظام وقوى المعارضة المسلحة، والأطراف الأخرى التي دخلت على خط الأزمة المشتعلة خاصة أصحاب الرايات السوداء.

17 عملية اغتيال في ثلاث سنوات

وثقت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” المقربة من حركة “حماس”، والتي يرأسها المعارض السياسي الفلسطيني السوري طارق حمود (زوج ابنة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس)، مقتل 17 شخصًا قالت إنه تم اغتيالهم منذ بدء الأحداث في سورية وحتى الشهر السابع من العام الحالي، وكان أول هؤلاء الناشط الإغاثي “أبو العبد خليل” (عضو “المجلس المدني لمخيم اليرموك” و”تجمع أبناء اليرموك” الذي يُعد الطرف الوسيط بين الجهات المتنازعة داخل وخارج المخيم، خاصة فيما يتعلق بموضوع بالمساعدات الغذائية وغيرها من الأمور الإغاثية)، وذلك يوم 15 حزيران/ يونيو 2014 على مجموعة مسلحة مجهولة.

وفي الثاني من أغسطس/ آب 2014 تم اغتيال “بهاء صقر” (المرافق الشخصي السابق لخالد مشعل وقائد “كتيبة عبد لله عزام”، أحد التشكيلات الفلسطينية المسلحة التي تقاتل إلى جانب قوات المعارضة السورية بالمخيم)، وذلك جراء إطلاق النار عليه من جهة مجهولة أيضًا، وتمت العملية أثناء تجوله في شارع اليرموك الرئيسي بالقرب من مشفى فايز حلاوة، وقال مقربون من “صقر” إن أجهزة النظام الأمنية هي من تقف وراء مقتله.

وفي 29 تشرين ثاني/ نوفمبر 2014، أُغتيل “علي الحجة” وهو ناشط سياسي معارض وقائد أحد التشكيلات المسلحة داخل اليرموك، وذلك إثر تعرضه لإطلاق نار من قبل مجهولين أثناء تواجده في حي العروبة جنوبي المخيم، وكان “الحجة” قد عرض قبل اغتياله تسليم نفسه للنظام السوري في تشرين أول/ أكتوبر، بصحبة تسعة مقاتلين آخرين مقابل إدخال الطعام إلى المخيم المحاصر بعد مرور أكثر من (1275) يومًا من الحصار، وبعد أن بلغ عدد ضحايا الجوع (190) ضحية من أبناء اليرموك، بحسب منظمات فلسطينية حقوقية.

فيما أقدم مجهولون يوم أغسطس/ آب 2014 على اغتيال ناشطين من شباب المخيم هما: “أحمد السهلي” وذلك بعد خروجه من صلاه العشاء في حي العروبة، و”عبد الله ابراهيم”. كما اغتال تنظيم “داعش” في نفس الفترة الناشط الإغاثي “أبو الخير الخطيب” برصاصة بالرأس قرب جامع فلسطين وسط اليرموك من جهة شارع فلسطين.

وفي كانون أول/ ديسمبر2014 أُغتيل الناشط الإغاثي “محمد عريشة” (45 عامًا) (وكان حينها مسؤولًا عن “تجمع أبناء اليرموك”)، حيث أقدم مجهولون بإطلاق النار عليه بالقرب من مكتبه في شارع لوبية، ما أسفر عن إصابته بجروح بالغة الخطورة ومن ثم وفاته. وبعد ثلاثة أيام تم اغتيال الناشط “محمد قاسم طيراوية” (مسؤول حركة فتح في المخيم)، حيث أطلق النار عليه من قبل شخص مجهول الهوية أثناء تواجده بالقرب من شارع الثلاثين.

وفي أوائل نيسان/ ابريل تم اغتيال “يحيى حوراني” (مسؤول حركة “حماس” بالمخيم، وهو ناشط اغاثي ومدرب دولي ومعتمد من قبل منظمة الصليب الأحمر الدولية)، وذلك بعد تعرضه لطلق ناري، أثناء توجهه إلى مشفى فلسطين بالمخيم.

كذلك شهد العام 2015 اغتيال “فراس الناجي” مسؤول “مؤسسة بصمة الإغاثية”، في أواخر شباط/ فبراير. وجاء اغتيال “الناجي” بعد ثمانية أيام من نجاة “محمد طه، مسؤول الملف الإغاثي في “الهيئة الوطنية االفلسطينية” من محاولة اغتيال من قبل مجهولين أمام منزله، وبعد 12 يومًا من اغتيال الناشط المدني “نمر حسين” أمام منزله برصاص قناص، وهو (عضو في “المجلس المدني” بالمخيم، وشقيق المرافق الخاص للرئيس حافظ الأسد، اللواء خالد حسين، وكان “نمر” قد رفض مغادرة المخيم بتسهيلات من قبل قوات النظام، رغم الأوضاع الكارثية داخله).

وإلى جانب عمليات الاغتيال التي تُعد –بحسب هيئات قانونية وحقوقية عربية ودولية- “جريمة حرب” تستوجب المحاكمة الدولية، إلى جانب ذلك سُجل في مخيم اليرموك العديد من حالات الاختطاف والإختفاء القسري، كان أبرزها اختطاف الناشط “فؤاد عمر” (رئيس “الهيئة الوطنية الأهلية الفلسطينية” التي تعتبر الجهة الوسيطة بين النظام وقوات المعارضة المسلحة داخل اليرموك) في 2 شباط/ فبراير 2014، قبل أن يعلن عن مقتله تحت التعذيب في سجون النظام 11 أيار/ مايو 2014، وكان “عمر” قد تعرض في وقت سابق لمحاولة اغتيال من قبل قوات النظام، أثناء توزيع الساعدات الغذائية على المحاصرين داخل المخيم.

وفي غضون ذلك كله انتشرت في مخيم اليرموك ظاهرة السيارات المفخخة حيث شهد المخيم انفجار أكثر من خمس سيارات مفخخة استهدفت عدد من قادة الكتائب المسلحة فيه، وفي كثير من هذه الحالات بقيت تفاصيل العمليات ونتائجها طي الكتمان من قبل الجهتين المُستهدفِة والمُستهدفَة.

تكريم “الخطيب” بعد نجاته من محاولتي اغتيال..
وتبقى في الذاكرة الفلسطينية السورية، أن آخر محاولة اغتيال فاشلة نفذت حتى يومنا هذا، كانت قد طالت الناشط الإعلامي والإغاثي “عبد الله الخطيب” (27 عامًا)، وذلك يوم 23 تموز/ يوليو الماضي، بعد محاولة اغتياله الثانية بالرصاص قرب منزله في بلدة يلدا المجاورة لمخيم اليرموك، حيث أصيب برصاصتين في يده وبطنه ونقل على إثرها إلى إحدى المشافي الميدانية في البلدة. وفي بيان منسوب لتنظيم “داعش” تبنى (أمير التنظيم السابق بجنوب دمشق) المدعو “أبو صياح فرامة” عملية الاغتيال بعد اتهام “الخطيب” بـ(الترويج لمشاريع علمانية كافرة).

وكان “الخطيب” (وهو مسؤول “مؤسسة بصمة الإغاثية”، وعضو في الرابطة الفلسطينية لحقوق الإنسان)، قد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة وخطف داخل مخيم اليرموك المحاصر من قبل التنظيم الإرهابي وذلك قبل أن يخرج منه بعد اقتحام “داعش” للمخيم.

ونظرًا للدور النضالي والإنساني الذي قام ويقوم به “الخطيب” في آتون الحرب الدائرة رحاها في جنوب دمشق بين الأطراف المتنازعة، وانتهاكات النظام السوري لكل الاتفاقات المحلية وهدن المصالحة المزعومة، وكذلك الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان من جهة، وحقوق اللاجئين الفلسطينيين داخل مخيماتهم في سورية أثناء الصراعات المسلحة من جهة ثانية، نظرًا لدوره المتميز هذا منح “منتدى التاريخ الحي”

«Forum för levande historia»  في منتصف شهر تشرين أول/ أكتوبر الفائت، جائزة “Per Anger” عام 2016.

وقال المنتدى أنه منح جائزته للخطيب بسبب “نضاله الشجاع من أجل حقوق الإنسان في سورية فهو يُوَثق الانتهاكات في رحى الحرب الدائرة وفي نطاق تقاطع نيران المقاتلين ويتوسط بين شتى المجموعات ويكرس نفسه للتحدث باسم الفئات الأكثر ضعفًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق