أدب وفنون

ناصر بندق “لا أكثر ولا أقل”.

ناصر بندق شاعر بلا ديوان، أو نص مكتوب، يرسم القصيدة مشافهة بالكلمات. كان يقول فحسب، ومن سمعه كان يكتب ويحفظ كلماته في قلبه قبل عقله. فما الذي يكتبه الآن في محبسه وعلى جدران زنزانته الضيقة؟

 

قبل أن يفتح عينيه على سبع قناطر حجرية زرقاء من جيل تلك الأرض، سبعة ينابيع ثرّة، ومُهر، ومِرَقُّ عجين، دغدغت وشوشاتها، وصهيله، وإيقاعه، مسامع ناصر، واجتاحته رائحة البنّ المهيّل المطحون، وخبز التنّور، وخمائر الجبن البلديّ، حتى أسكرته. حدث كل هذا قبل أن تطأ شفتاه الثدي.

ولد بالفطرة عاشقًا للقمح؛ على تلّة واثبة اسمها (ريمة)، تعرّف إلى الله، بلا تكلّف أو إلحاح، ومن هناك بدأ بهدوء النَزِقِ رحلة البحث عن لغته ومعانيه…. ولمّا يزل.

قال ناصر و(لم يكتب):

“كي تغرّد كعصفور البراري

البس معطفك باختلاف

هكذا ببساطة شديدة

لا أكثر ولا أقل”

هكذا “ببساطة شديدة” يستطيع ناصر تكثيف مفهوم التغيير، تلخيص فعل الثورة، “كي تغرد”، أو، إذا أردت أن تكون حرًا، عليك أن تنتفض على ذاتك أولًا، أن تنقلب على السائد والمعتاد، هذا هو الطريق، أن “تلبس معطفك باختلاف”، فيك البداية ومنك تبدأ الرحلة، في إرادتك تكمن المعجزة، “هكذا لا أكثر ولا أقل”. عندما تساءل: (ولم يكتب)!؟

“هل ترفّعتْ أنوثة الكستناء

عن شهوة الجمر؟

أم النزق ترهّل في شرايين النبيذ؟

لا أدري إن كان المطر قد رحل إثر نوبة عشق عابرة

أم هي الرمال استباحت سرير شقائق النعمان؟

لا أدري!

لربما القلب لم يعد يسمع رفيف الفراشات النهديّة

تحت لحاء الصمت”.

تلك، كانت تساؤلات العارف الذي يدري، إذ لم يوصد الأبواب على سُكنى القبور، أو يدفن جرار الضوء في الأقبية المعتمة، بل ترك للأمل فرجة واسعة، فآثر بداية أن يقول -ولم يكتب- “هل ترفّعت”؟! فلا هي امتنعت ولا رفضت، ولا ذهبت ولا تنسّكت، ولا ماتت، لقد “ترفّعت” وحسب، ما زاد أنوثتها أنوثة، وتكثّفت رغبتها بالجمر، هامت بالنّضج المشتهى، فكان ترفّعًا نحو ذروة العشق المطلق. كان يعلم ويدري أن ستأتي اللحظة التي تعود به الأنوثة عن ترفّعها، تتلحّف بالجمر المتقد و”تكمره”، تستصرخ أنوثتها به وفيه، كيف لا!!، وهي الأمُّ، والعشيقة، والبلد، هي الثورة.

كان يعلم حين قال و(لم يكتب):

“توحّشي أيتها الدبابير

سيبقى في العنقود حبتي زبيب

ورشفة نبيذ لطائر الورور

تربّصي زوايا الكروم

وممرات البراري

…أيتها الدبابير

النحل يعرف كيف يجني الرحيق

ويملأ الجرار بالعسل الأشقر”.

امتلك ناصر الإيمان بأدوار أبطال الحكاية، تصالح مع توحّش الدبابير إلى الحدود التي جعلته يتقن الأمل -في بقاء ما يسدّ الرمق- إلى أن يملأ النحل الجرار بالعسل.

رغم توحشها ودرايته بتربص الدبابير، رافقه الأمل منتظرًا فيض القفير، واثقٌ أنا أنه لم يزل…

في مجد يأسه المحموم ما تنازل ناصر عن حلمه شديد الوضوح، آمن به ورعاه كما آمن بالآلهتين إنانا وأدونيس، فكان ناسكًا ورعًا بهما، صلّى في محرابهما، رعى نهاراتهما، وحرسا ليله، قال أبو أدونيس و(لم يكتب):

“كمطر يفترش فجيعته

يسند ظهره على جذع الرحيل

يحلم بأرض لا تُسفك أنوثتها”.

ناصر قادر على تلمّس الجمال حتى في الفجيعة، دائم البحث عن الله فيما يرى، يَطرب للترحال والتنقل والتنقيب عن روعة معنى ما، في صوت جدول ماء ما، يرتحل طويلًا، بعيدًا؛ كي ينظر إلى حجر سمع أحدًا يصفه بالجميل، يشاهده فحسب، أو بالأحرى، يلتقيه يجالسه، ويمضي دون أن يوثقه داخل إطار، يقول:

“لا أحب أن أراه ساكنًا في صورة

أو أن أحجب الهواء عنه وأجعله حبيس ورقة

هو موجود وراسخ في أرضه

كلما اشتقته آتي إليه”

كان يبحث في سوريا كلها عن ربّات الجمال التي عايشها في قريته ريمة حازم؛ حيث تفتحت ملكاته على طيب بازلتها وكحل زرقتها وصلابتها ودفء برودتها ورطوبة حرّها. لا يكلّ الحبّ، ولم يملّ الرغبة في لقاء “أرض لا تُسفك أنوثتها”.

“هل ثمّة كاتب أفضل وأحقّ وأبهى من فَراش يخطّ وصايانا، على شواهد الأقحوان؟!” يسأل ناصر، وهل أكثر رفعة وحرمة من شاهدة أقحوان؟! ولا يعترف بوسام أعلى من أوسمة الماء، لم ير في رحلته -حتى الآن- أسمى وأعلى من كاحل شجرة.

فهل يأتي يوم نسمعه (يقول ولا يكتب):

“هل يأتي يوم تَكتبُ فيه الفراشات وصيتنا الأخيرة على شاهدة الأقحوان؟

هل يأتي يوم نتقلدُ فيه أوسمة الماء؟ أو نتعالى الى ما دون كاحل الأشجار؟

كم يلزمنا من الحب حتى نطرد الصياد

كي نتعلم لغة العصافير؟

كم يلزمنا من المطر حتى ندرك

أن بين جناحي الموت والولادة زمن واحد هو (الفرح)؟

طوبى للأصابع التي تشعل فتيل شقائق النعمان في كل هذه المساحات الباردة”.

كيف نطرد الصياد؟! قال ولم يكتب بالحب، بل بقدرٍ كبير لازم من الحب؛ بتعلمنا لغة العصافير؛ بإدراكنا روح المطر وكنهه… هذا دين ناصر الذي آمن به، ويؤمن أن الفرح هو الزمن الوحيد الصالح لقياس رحلتنا الإنسانية، ما أجمل وأبرأ تلك الأصابع التي أشعلت ربيعًا في كل ذاك القفر.

ناصر الإنسان الشاعر أكبر من محبسه القسري الذي يحجبه عنّا اليوم، ومن ظنّ امتلاكه القدرة على خنق صوته العالي الواضح، جاهل أحمق. سرقوا ناصر في عتمة ليل، ولكن كلماته وأفكارها حملتها الريح في وضح النهار، وذرتها الشفاه في كل بيادر الأرض؛ لتنبت سنابل قمح يعشقها، البارحة كما الآن أو غدًا، أصيخوا معي السمع إلى صوته، وهو يغنّي:

“أصابعك في غاية الأقحوان

لا تكتبي القصيدة هذا المساء

تنحي جانبًا على أريكة اللازورد

وأنصتي لكمنجات الكرز المسافرة

في النهارات المشمسة

واتركي طائر الورور

يخبرك حكاية القطاف

ما أجمل الرقص ساعة الوجع

يا صديقة الغروب”.

بعض ما قاله أبو أدونيس وأنانا، و(لم يكتبه في كتاب)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق