كلمة جيرون

الاستبدادان: الجديد والتليد

ما حدث ويحدث في سورية هو ثورة -بكل ما لهذه الكلمة من معنى- ومسار (تراجي – ملحمي) وهو منعطف تاريخي، يشبه كل الثورات الشعبية الارتجالية التي انفجرت نتيجة للظلم والذل والعبودية المتراكمة. قد تكون الأوضاع مواتية لها وقد لا تكون، تخضع لقانون الحتمية التاريخية أو لا تخضع، تنجح أو تتعثر أو تفشل، لكنها لا يمكن أن تكون عابرة غير مؤثرة؛ فهي -في كل الأحوال- هدمت جدار الخوف واخترقت جدار الصوت، وهذا ليس بأمر نافل أو يسير، بل منعطف حاسم استثنائي في حياة ومصير السوريين.

يظن كثير من المعارضين أن إسقاط النظام هدف بحد ذاته، كما يظن كثير من الموالين -أيضًا- أن إسقاط الثورة هدف، ويتمنى الجميع أن يحدث ذلك؛ للخلاص مما نحن فيه. وقد يكون هذا صحيحًا، إذا كان المقصود هو الخلاص من القتل والاعتقال والتدمير والتهجير والفوضى العسكرية والاقتصادية والأخلاقية، لكن يُخشى أن يصبح هذا “الخلاص” هدفًا وغاية تحل محل الأهداف الجذرية التي خرج السوريون من أجل تحقيقها؛ وهي: إقامة نظام بديل ديموقراطي حديث، يحل محل نظام الاستبداد القديم، وبناء دولة ووطن حر، تتحقق فيه العدالة والكرامة والمساواة والمواطنة.

لقد توقف القتل في تونس ومصر، لكن هل سقط النظام؟ إن إسقاط الأنظمة البائدة غاية لا بد من تحقيقها؛ لفتح الطريق أمام أي ثورة. لكن إسقاط النظام السياسي، يُعد أمرًا سهلًا، إذا ما قورن بالمهمات الجسام الأكثر صعوبة وتعقيدًا، وهي بناء الدولة ومؤسساتها القائمة على سيادة القانون والعدالة، في بلد مثل سورية؛ طُرح فيها شعار “حرق البلد”؛ بما في ذلك الدولة والمؤسسات والقانون والعدالة طبعًا.

من النافل القول إن الثورة لا تسقط ولا تجهض. وهي إن بدأت لا تتوقف. إنها قادمة والنظام راحل، وهي متعددة والنظام مفرد، وهي تبني والنظام يهدم… لكن الثورة لا تكون حقيقية إلا إذا شملت جميع جوانب حياتنا: التعليم والتربية والفكر والثقافة والإبداع والإعلام والاقتصاد والسياسة؛ وحتى الأحوال الشخصية والأخلاقية والنفسية… وإذا كان إسقاط النظام يحتاج إلى القوة العسكرية، فبناء الدولة يحتاج إلى قوة العقل. والقوة العسكرية -أيضًا- أمر طارئ ومتغير ومحدود جدًا، أما قوة العقل فثابتة راسخة مستدامة.

إنه الفرق بين قوة العضلات وجبروت المعرفة والحكمة.

ما أكثر التجارب التي أُسقطت فيها الأنظمة بانقلاب عسكري، وبليلة واحدة، انقلابات ترفع شعارات جماهيرية برّاقة وحماسية، وطنية وقومية واجتماعية، تفرضها على المجتمع بالقوة، على الرغم من أنها لا تمتلك أي نيّة حقيقية أو رصيد فعلي لتحقيقها، وهي غير قابلة للتنفيذ أصلًا، لكن الطغم الحاكمة لا تستطيع العيش والاستمرار بمعزل عنها.

فهل يجب على الثورة أن تتشبه بالانقلابات العسكرية أو تتماهى معها؟ وهل تملك الثورة الحق بأن تعتمد على الشعارات الحماسية لبناء عصر جديد، أو أن تدعوا للخلاص -بأي ثمن- من العصر التليد!؟

إن ما يحدث اليوم في سورية هو ثورة مضادة وعابرة للحدود السورية، الإقليمية والدولية؛ ولا شك أن وقف القتل والتدمير أمر ملح وجوهري، لكن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة وقف القتل والتدمير، أو وقف الثورة المضادة. إنه مفتاح الحل، لكن الطريق لإنجاز القيم العليا للثورة: بناء دولة العدالة والكرامة وحقوق الإنسان والمواطنة… طريق طويل شاق ومعمد بالدم، ويحتاج إلى أجيال من المناضلين الذين يعملون –من دون كلل أو ضجر- لبناء تلك القيم وترسيخها في العقل وفي الممارسة. فالقيم العليا، الأخلاقية والمعرفية، لا يمكن فرضها بقوة السلاح، أو حتى بقوة القانون الموجَّه؛ بل بقوة العقد الاجتماعي؛ أي قوة الإدراك والانتماء والتبني الحر لتلك القيم. وقد أثبت التاريخ والتجارب التي خاضتها مختلف الشعوب والأمم -في نضالها الشجاع من أجل الحرية- أن مقولة حرق المراحل قد سقطت، وأن فرضها على المجتمع مناف للحرية، فالحرية هي جوهر تلك القيم، وفرضها بالقوة هو الوجه الآخر للطغيان والعبودية.

إن نظام الاستبداد يركز خلال فترة حكمه –الطويلة عادة- على هدم القيم الإنسانية والأخلاقية للفرد والمجتمع؛ ومن أهم مهمات النظام الجديد إعادة تعمير هذه القيم. فالاقتصاد لا يبنيه لصوص الأمس ولا لصوص الثورة. والمؤسسات لا يمكن أن يديرها الكذّابون أو الفاسدون أو الانتهازيون الجدد. والثقافة والمعرفة لا يصنعها الأميون. وبناء الدولة الحديثة، لا يمكن أن ينجح، إذا كان المؤهل الأساسي لإدارتها هو النفاق والفساد.

إن رفع الشعارات وحده لا يكفي. نحن مدعوون إلى رص الصفوف لانبعاث وطن موحد بأرضه وشعبه؛ وطن ينهض من الرماد. شعارات الحرية والكرامة والديموقراطية، ستظل مجرد شعارات برّاقة، لأنها قد تتحول –أيضًا- إلى كذبة كبيرة، عشناها وجربناها في “العهد القديم”، ومن العبث أن نبدّل الاستبداد التليد باستبداد جديد. عندئذ، وعندئذ فحسب، تسقط الثورة ويعيد النظام إنتاج نفسه بدمائنا ورمادنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق