مقالات الرأي

مقاربة حيويَّة… للثورة/ الحرب السورية

سنحاول وضع تعريف كافٍ وصالحٍ، وليس بالضرورة أن يكون وافيًا للثورة في الحقل السياسي، وسنقترح التعريف التالي (تغيير حاد وكبير في النظام السياسي لمجتمع، تغيير ناتج عن ضغط اجتماعي وشعبي واسع)، ليس المقصود -هنا- الوصول إلى تعريف جامع مانع للثورة، ولكن التعريف السابق يُعرّض لعناصر تميز التغيير السياسي الذي نصفه عادة بالثورة، وهذا لا يُعطي قيمة أخلاقية لمصطلح الثورة، فهناك ثورات تحررية وهناك ثورات فاشيّة، وهناك ثورات ناجحة، مثلما هناك ثورات فاشلة.. إلخ. والمقاربة السابقة تنفي وجود جوهر ثابت للثورات، وتسعى لنزع القداسة أو النجاسة عنها، وبهذا المعيار نصف ما يجري في سورية، منذ آذار/ مارس 2011، بالثورة اعتمادًا على:
أولًا- امتداد الثورة/ الحرب على كامل جغرافيا الدولة السورية من درعا إلى حلب ومن القامشلي إلى اللاذقية.
ثانيًا- تغير جسيم في حال المجتمع السوري سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لا بل وديمغرافيًا، بما يشمل مئات آلاف القتلى ومئات آلاف المعتقلين وملايين المُهجّرين داخليًا، ومثلهم خارج الحدود، وتدمير مدن وحواضر سورية كثيرة، وتدهور اقتصادي مريع، حيث فقدت الليرة السورية ما يقارب الـ 90 بالمئة من قيمتها الشرائية.
ثالثًا- تغير جسيم في حال السلطة السورية، وفقدانها السيطرة على مناطق واسعة من الجغرافيا السورية، ونحن مازلنا في العام الخامس للثورة، وظهور كيان سياسي كردي في الشمال السوري لا يعترف بالسلطة السورية، واعتماد السلطة السورية المتزايد على إيران كحليف إقليمي، ومليشيات لبنانية وعراقية غير منضوية تحت تراتبية الجيش السوري، إضافة إلى التدخل العسكري الروسي المباشر في الحرب السورية.
الثورة السورية في عامها الخامس لم تستطع الإطاحة بالسلطة السورية، ومن ثمّ القيام بمصالح الحكم، ولا يبدو ذلك قريبًا أو متوقعًا حتّى في المدى المتوسط، ولم تنجح في إيجاد الحدّ الأدنى من التنظيم والإدارة السياسية، بما يؤهلها لتكون بديلًا للنظام، ولو في الأماكن الخاضعة لسيطرتها، كلّ هذا يجعنا نصنّفها في خانة الثورات الفاشلة، أو تحت مُسمى الأشكال السياسية المتغيّر الوصف، وهذا ما يبرر لنا استخدام مصطلح الثورة/ الحرب السورية، مع ظهور حالة الاصطفاف الطائفي والقومي، إضافة إلى حروب إقليمية بالوكالة، وتنامي أجندات سياسية غير ملتزمة وعابرة للوطنية السورية أساسًا، ممثّلة بالسلفية الجهادية وطابعها الأممي العابر للحدود.
أوّلًا- الثورة السورية شكل. الكون شكل بدلالة معماريّته المضادة للجوهر الثابت(1)، الثورة السورية شكل، فهي طريقة تشكّل لأبعاد وجودها المختلفة التي هي نفسها أبعاد المجتمع السوري، الثورة السورية هي صيغة مُحدّدة للثورة، وطريقة مُتعيّنة للعمل السياسي الثوري، ولا يوجد جوهر ثابت للثورة، وسواء أكان جوهرًا شريفًا أو جوهرًا وضيعًا، وسواء أكان جوهرًا وطنيًّا أو خائنًا، فالجوهر مقولة منافية للبرهان، ولا يوجد جوهر عقائدي ديني للثورة السورية؛ لكون العقائد الدينية وغير الدينية -بدورها- أشكالًا وصيغًا عقائدية، كما لا يوجد جوهر تحرّري للثورة، فالتحرر شكل والعبودية شكل، والتحرر مشروط بأبعاد الكينونة الاجتماعية الثائرة وإمكاناتها، وكذلك لا يوجد جوهر فلاحي ريفي للثورة السورية لكون الريفية والبداوة والمدينية -بدورها- أشكالًا وصيغًا اجتماعية واقتصادية متغيرة ومتفاعلة ومشروطة بأبعاد الكينونة الاجتماعية الثائرة وإمكاناتها، وكذلك لا وجود لجوهر سلميّ أو عنفي أو إرهابي للثورة السورية، لكون السلمية والعنف والإرهاب -بدورها- أشكالًا وصيغًا نفسية سلوكية اجتماعية سياسية متغيرة ومتفاعلة ومشروطة بأبعاد الكينونة الاجتماعية الثائرة وإمكاناتها. الثورات تتماثل في كونها أشكالًا سياسية، ولكنّها تختلف في طريقة تشكّلها، ولا وجود لثورتين متطابقتين، فثورات الربيع/ الخريف العربي تتماثل في كونها أشكالًا، ولكنها تختلف في أسيقتها وشروطها وظهورها ومساراتها ومآلاتها، ولا يوجد نمط واحد أو نموذج واحد للثورات عبر التاريخ، وكثير من اللغط الذي صاحب الثورة السورية كان بسبب قياسها -تعسّفيا- على نماذج الثورات الكلاسيكية عالميًا، كالثورة الفرنسية والثورة البلشفية.
ثانيًا- الثورة السورية شكل حركي، الشكل حركة بدلالة فرق الجهد المُحرك والمُتحرِّك بآن واحد(2)، لا وجود لثورة ثابتة ساكنة، فالثورة السورية تخضع لفعل الزمن وتأثيره في كلّ لحظة، ما نراه سكونًا إنما هو شكل حركي، ولكن وفق صيغة وبحساسيّة معيّنة، فالثورة السورية في مسار حركتها يتغير شكلها؛ فهي تؤثر وتتأثر ببعد الزمن وصيرورة التاريخ، فمثلًا لقد كانت الثورة السورية محرّكًا لتغيّر في سياسات المجتمع الدولي وخارطة القوى الكبرى، ولكنّ -أيضًا- تغير سياسات القوى الكبرى أدّى لإحداث تغيرات في صيرورة الثورة السورية، بالتأكيد يمكن تحقيب الثورة/ الحرب السورية اعتمادًا على مناظير ومعايير مختلفة، حيث وفقًا لياسين الحاج صالح في مقاله: الثورة، السلفية، الإمبريالية: ثلاثة أطوار في خمس سنوات(3) يمكن التمييز ما بين ثلاث مراحل مرّتْ بها الثورة/ الحرب السورية، اعتمادًا على طبيعة القوى الصاعدة والفاعلة الجديدة هي: 1- الثورة: تمتدُ مرحلة الثورة نحو عامين، بين آذار/ مارس 2011 وحتى مطلع 2013. حيث وجد أرخبيل من قوى شعبية ضعيفة التنظيم يواجه حكم السلالة الأسدية، تنقسم هذه المرحلة إلى طور السلمية وطور العسكرة، ولكن ما كان يجمعهما وجود طابعٌ وطنيٌ شعبي، من المظاهرات والتنسيقيات والانشقاقات، وقد أخذَ هذا الطابع الشعبي الوطني يتراجع في النصف الثاني من 2102 مع اغتيال “خلية الأزمة” في 18 تموز/ يوليو 2012، والتي تصلح كنقطةً اصطلاحية لبدء الانهيار المتسارع للإطار الوطني. 2- السلفية: أو الأسلمة، وتمتد بين مطلع 2013، وحتى أيلول/ سبتمبر 2014، وقت بدء الحرب الأميركية الدولية على (داعش)، والفاعل الصاعد فيها قوىً إسلامية سنية سلفية متنوعة، قضيتها هي عقيدتها الدينية السياسية. 3- الإمبريالية: أو التدويل المباشر الشامل، والفاعل الصاعد فيها قوى إقليمية ودولية متنوعة، آخرها روسيا التي تدخّلتْ بجهد عسكري مُنظّم واسع ومباشر. كما ذكرنا أعلاه لا وجود لكائن ثابت لا يتغير بما يشمل الثورة/ الحرب السورية، من حيث أنّها صيرورة حركية متغيرة، ومن المقاربات الخاطئة للثورة/ الحرب السورية هو تجميدها في مقطع زمني ثابت، فمن الشائع في الخطابات السياسية الموالية للثورة تجميدها في مرحلة السلمية أو الثورية الرومانسية، وحذف كل ما جرى بعدها من أسلمة وعنف ثوري بما قد يشمل أعمال إرهابية. ومن الشائع في الخطابات المناهضة للثورة كذلك، حذف المرحلة السلمية، وحذف الطابع الوطني الجامع لها في البدايات والتركيز على (داعش) و(جبهة النصرة).
ثالثًا- الثورة السورية شكل احتوائي، كل كائن هو شكل احتوائيّ متعدد الأبعاد، وإن بدا فارغًا، حيث لا يوجد كائن بدون أبعاد، أو كائن أحادي البعد(4)، الثورة السورية تتحوّى أشكالًا سياسية وعسكرية وعقائدية فئوية.. مختلفة، وهي أيضا مُحتواة في أشكال سياسية وعسكرية وعقائدية فئوية.. مختلفة، فالثورة السورية –وكل ثورة- هي محصِّلة لتحوّيات متعدِّدة المستويات والأبعاد، تتحوّى بعضها بعضًا، بحسب صلاحيات كل منها تجاه نفسها وغيرها، فالثورة السوريّة هي شكل ثوري خاص، تتحوّى بدورها أبعاد الشكل الثوري العام. لا يوجد ثورة فارغة بدون أبعاد أو دلالات أو معانى، كما لا يوجد ثورة أحاديّة البعد، فالثورة السورية على سبيل المثال ليستْ بثورة عقائدية دينية، ولا يمكن وصفها بالثورة السنّية، على الرغم من كون البعد العقائدي الديني هو أحد أبعادها، ومن هنا تبدو مغالطات مقاربة الثورة السورية من منظور عقائدي شمولي، وتصويرها صراعًا سنّيًا – شيعيَا أو دينيًا – علمانيًا، أو صراع الكفر مع الإيمان… إلخ. والثورة السورية -كذلك- ليستْ بثورة اقتصادية طبقية، ولا يمكن وصفها بثورة الفقراء، على الرغم من حضور البعد الاقتصادي فيها، ومن هنا يبدو قصور المقاربة الماركسية للثورة السورية، وتقديمها كصراع طبقي ما بين السلطة البرجوازية والبروليتاريا ممثّلة بالشعب السوري، ومثاله ما نجده في النص التالي لسلامة كيلة “الرأسمالية تحبّ الموت البطيء لمن تنهبهم، وتحب أن تنهب من دون ضجيج، لهذا؛ تقول بوضوح: إن من يثور فمصيره هو مصير السوريين، القتل أو الاعتقال الوحشي أو التهجير. هذا هو المثال الذي عملت الرأسمالية، بمختلف تلاوينها وتناقضاتها، على تحقيقه في سورية بالتحديد (5).
رابعًا- الثورة السورية شكل احتمالي الشكل صيرورة احتمالية، بدلالة تنوع أبجدية التكون، والاتساق بإرادة الحياة(6)، كل كائن هو شكل احتمالي وإن بدا حتميَّا، من حيث أنّ كل كائن هو متعدد المسارات والقيم، وبناء عليه؛ فإنّ الثورة السورية شكل احتمالي، وكونها احتمالية؛ فهذا لا يتنافى مع الصيغة القانونية التي تضبط هذه الاحتمالية، إنما يتنافى مع الحتمية الغائية الفلسفية أو العقائدية التي تفسّر حركيّة الثورات والمجتمع والكون، بناء على العلّة الغائية، فالشكل الحركي للثورة السورية –وكل ثورة- يأخذ -في مساره- صيغًا احتماليَّة، تتأثّر بأوضاع داخلية وخارجية متعددة ومعقّدة، فقيام الثورة السورية لم يكن حتميّا، بل هو احتمال مُحرّض بأسباب وعوامل متعددة داخلية وخارجية، منها: ظهور موجة ثورات الربيع العربي، ومنها طريقة تعامل السلطة السورية مع مطالب المحتجّين.. ومنها تقديرات خاطئة لإمكانات وقوة السلطة السورية… إلخ. وكثير من الأنظمة العسكرتارية الشمولية المشابهة للنظام السوري، لم تقم -إلى تاريخه- ثورات شعبيّة ضدّها ككوريا الشمالية وكوبا.. ولم تلق نداءات الثورة في بلدان عربية كالسعودية والمغرب والجزائر آذانًا صاغية، على سبيل المثال لا الحصر. ومثلما أنّ قيام الثورة السورية لم يكن حتميًا، كذلك نجاحها في إسقاط السلطة السورية أو فشلها في ذلك ليس حتميًا، إنّ التصريح باحتمالية فشل الثورة السورية في أثناء فترة مدّها، وفي المجتمعات الموالية للثورة، كان يعد نوعًا من الكفر بالثورة وجريمة بحقّ شهدائها، وهذا مفهوم جدًّا من جهة أن الإيمان بانتصار الثورة هو من أسباب انتصارها، وفي المقابل؛ فإن التصريح باحتمالية نجاح الثورة السورية في أثناء فترة مدها، وفي المجتمعات الموالية للسلطة، كان يعدّ نوعًا من الخيانة وجريمة لا تغتفر، لا بل إنّ التلفظ بكلمة ثورة كان سببًا كافيًا للاعتقال بما قد ينتهي بالموت تحت التعذيب! ولكنّ الإنكار الكلامي والنفسي للشيء لا يعني بالضرورة عدم حدوثه! وينبغي ألا ننسى وجود احتمالات ومسارات كثيرة في صيرورة الثورات، وليست الحروب الأهلية، أو الغزو الخارجي، أو تقسيم الدولة، أو الدولة الفاشلة، أو إخماد الثورة مع ازدياد سطوة السلطة مقارنة بالسابق، أو نجاح الثورة في التأسيس لنظام حكم وطني ديمقراطي.
خامسًا- الثورة السورية شكل نسبي، الشكل صيرورة نسبية، بدلالة الجملة التي يقترن بها ويتحوّل بدلالتها(7)، كل كائن هو شكل نسبي، وإن بدا مطلقًا، من حيث أنّهُ متعدد المنظور والخصوصيات، وهو نسبي بدلالة الجملة التي يقترن بها، ويتحوّل بدلالتها. وبناء عليه، لكلّ ثورة شكل خاصّ، يختلف في تاريخه وحيويته عن شكل ثورة أخرى، فالثورة شكل نسبي؛ حيث أن الشكل الثوري يوجد في صيغة ثورة محدّد، وضمن شروط محدّدة، وليس ثمّةَ مقاييس مطلقة للثورات، بل توجد مقاييس متباينة متعددة تبعًا للمُقاييس وجملة المقارنة. إن نسبية الثورة –أي ثورة- هو شرط لكونه مُحكم تجريبيًا، وليس في ذلك تقليل من قيمة الثورة، ولكون الثورة شكل حركي احتوائي احتمالي فهو نسبي بالضرورة، حيث لكل معادلة أحوالها ودلالتها وقيمها التي تتحوّل بدلالتها.
سادسًا- حاولنا -في ما سبق- تقديم مقاربة للثورة/ الحرب السورية؛ استنادًا إلى نظرية المنطق الحيوي –المكتشفة من المفكر السوري د. رائق النقري 1967- والمبادئ الخمسة للقانون الحيوي الشكل – الحركية – الاحتوائية – الاحتمالية – النسبية. قد لا تقدّم المقاربة السابقة –في هذا المستوى- جديدًا أو تجديدًا بيّنا للقارئ المُطّلع العالم، ولكنها مفيدة من جهة كشف المغالطات التي تعرضها المقاربات أحادية البعد المؤدلجة، أو المقاربات التبسيطية الشائعة للحدث السوري، وبما قد يسهم في زيادة تفهّم الثورة السورية وتعقيداتها وقوننتها في رؤية حيوية كونية شاملة… لا تدّعي وجود جوهر ثابتْ أو استثناء لأي حدث كائن أو ثورة.

سابعًا- الهوامش
[1] المنطق الحيوي عقل العقل، رائق النقري، 1987، باريس، ج2، ص 341
[2] المنطق الحيوي عقل العقل، مرجع سابق، ص 407
[3] الثورة، السلفية، الإمبريالية: ثلاثة أطوار في خمس سنوات، ياسين الحاج صالح، موقع الجمهورية، 30 كانون الأول/ ديسمبر 2015. الرابط: http://aljumhuriya.net/34256
[4] موقع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي والحوار، عنوان الرابط: الموت الفردي سر الحياة، مقاومة أشكال الموت أجمل وأعظم ما في الحياة! 23/ 7/ 2014.
https://damascusschool.wordpress.com/2014/07/23
[5] الحرب ضد الثورة: سورية مثالًا، سلامة كيلة، موقع كلمتي، تاريخ 3 كانون الأول/ ديسمبر 2015، الرابط: http://klmty.net/457422
[6] المنطق الحيوي: عقل العقل، مرجع سابق، ص 533 [7] المنطق الحيوي: عقل العقل، مرجع سابق، ص 607

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق