كلمة جيرون

ضد القداسة

خلال تاريخها الطويل، مرّ بسورية عدد غير محدود من الشخصيات المهمة، الاستثنائية في ميدانها، حكّامًا وزعماء وسياسيين، رجال فكر وعلم، رموزًا دينية وإنسانية، سيدات ورجالًا، تركوا أثرًا في ماضيها، وبعضهم في حاضرها أيضًا، جميعهم مرّوا بها مرور الكرام، لم يُخلّد أي منهم، ولم يُقدَّسهم أحد، ولم يكن لهم هالات ربّانية من نور، بل كانوا، كغيرهم، عرضة للتقويم وقت الاعوجاج.

ما شهدته سورية خلال خمسة عقود، وما صُدِمت به خلال آخر نصف عقد، من تقديس من لا يُقدّس، أمر سريالي، ووقح، وبعيد عن المنطق والعقل والاحترام.

متأثرًا -ربما- بالرسالة “الخالدة” لحزب البعث، بدأ النظام السوري يُرغم الناس على تخليد الأسد الأب وتقديسه، فنُصبت له التماثيل في الساحات، وطُبعت صوره في كل مكان إلا القلوب، وأُرغِمَ الناس على تقديس “المقام الرئاسي” مع أنه مجرد وظيفة عامة، وعلى تقديس الأسرة الحاكمة “غير المُقدّسة”، كما أُجبروا بالعصا على تقديس رجل الأمن على تخلُّفه، الذي أجبرهم بدوره على تقديس “بوطه” العسكري.

لم يقتصر التقديس على النظام السوري، فهناك اليوم من يواصل مشواره، في القداسة والتقديس، فالإسلاميون السلفيون المتشددون، يُقدِّسون شيخهم أو “وليّ أمرهم”، فلا كلمة تعلو على كلمته، ولا شور يكسر شوره، ولا أمر يتعارض مع أمره، والإسلاميون الأكثر تطرفًا وعنفًا يُقدّسون أميرهم، مولاهم، صاحب “الكرامات”، حامي الراية والإمارة، القافز من أكثر العصور ظلامًا وعنفًا وخسّة، ويضعون سيوفهم رهن إرادته، ولا شيء يعمل في “حضرته” إلا الغريزة.

بعيدًا عن الإسلاميين، هناك علمانيون، كأتباع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، قدّسوا زعيمهم، “أوجلانهم” أو “مُسلّمهم”، ظالمًا كان أم مظلومًا، منطقيًا كان أم أفّاقًا، فطرّزوا صوره وغطّوا بها العقول.

وفي منعطف مذهبي آخر، قدّس شيعة سوريون، ممن لا هوى عربي لهم، وليّهم الفقية، القائد، آية الله العظمى وحجته، “مدّ ظلّه”، علي الخامنئي، الذي صار مُقدّسًا أكثر من علي “الأصلي” ابن عم الرسول محمد وزوج ابنته، فأوصلوا نسبه قبل 29 جدًا لابن أبي طالب ذاته، وبات هذا “الباب العالي” صاحب قدسيّة ما بعدها قدسيّة، الآمر الناهي، في الأرض وفي السماء، في البحار والقفار، وأرواح الجميع رهن رعشة خنصره.

أيضًا وأيضًا، فإن بوتين، صبي المخابرات الصغير، الذي كان يُسلّم رفاقه للأمن في الجامعة، صاحب العقل الأعوج، النرجسي، صديق المافيات وحاميها، صار مُقدّسًا لدى موالي النظام السوري وحاشيته، ومن لفّ لفّهم، لأنه الجبّار، حامي الحمى، منقذ البشرية، مُفشل الثورات ومُدمرها، فوضعوا صوره على كل جدار وداخل كل جحر، وعلى السيارات والميداليات والصدور، في انتهاك فجّ لمعنى القداسة.

إن أردنا استكمال السلسلة، سنصل بالضرورة للمعارضة السورية، أو بعض شخوصها، الذين ورثوا عن النظام أمراضه، كحب السلطة والتبجيل والتقديس، فتمسّكوا بالمناصب -الخلّبية أساسًا- للأبد، وتباهوا بعشق الشعب لهم، لأنهم فريدون، مُخلّصون، زعماء مُرتقبون، مُطلقو الثورة ومُنظّروها، آبائها الروحيين، شيوخها، حامي حماها، فالتصقوا بالكراسي للأبد، واستعدّوا لتتويج قادم في مملكة سورية المقبلة، التي ستكون لهم ولأبنائهم.

في هذه الأيام العجاف، ينقص السوريين كل شيء، إلا أناسًا مُقدّسين، فهم لا يحتاجون إلى آفات جديدة، فردية أو جماعية، فالقداسة القمعية لا تعنيهم، وتأليه البشر -بعد الآن- ليس في واردهم، ولا رموزًا أبدية، ومن ثار على حاكم ظالم، سيثور على ألفٍ مثله، فلا شخوصًا خالدة بعد اليوم، ووحدها حرية السوريين هي المُقدّسة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق