مقالات الرأي

ترامب والدور الأميركي في سورية

تحدّدت السياسة الأميركية في سورية، بعد الثورة 2011، بعدم انتصار أحد الطرفين على الآخر، وأن الحل الوحيد “لا غالب ولا مغلوب”، ولم تتغيّر هذه الفكرة طوال سنوات الثورة؛ ولكن ما تغيّر في الواقع السوري هو اعتماد النظام اعتمادًا كاملًا على تنظيمات طائفية شيعية، وعلى إيران وروسيا، وفي الجانب الثاني انتصار القوى السلفية والجهادية على الثورة الشعبية؛ هذا التغيّر كان سببًا في تغليب سياسة لا غالب ولا مغلوب. نضيف أن أميركا حدّدت خيارها -لاحقًا- بمحاربة “داعش”، دون إسقاط النظام السوري، ولعبت دورًا مركزيًا مع روسيا في عدّ جبهة النصرة، أو فتح الشام، و”داعش” منظمات إرهابية، وفق بيانٍ لمجلس الأمن الدولي، ولا بد من محاربتهما؛ أميركا – أوباما إذن؛ تحدّد موقفها -هنا- ضد الجهادية “السنية”، ولم تهتم بالجهادية “الشيعية”، ولم تُصدر أيّ موقف ضد التنظيمات الطائفية الشيعية في سورية. الأكيد أن انضواء هذه التنظيمات ضمن السياسة الإيرانية، وسيطرة الأخيرة على تحركاتها، هو عامل حاسم لغض النظر عنها، وهذا بعكس التنظيمات الجهادية السنية التي لا أحدَ “يضبّها” “ضبًّا” كبيرًا، ويمكن أن تنقل عملياتها إلى أوروبا أو أميركا ذاتها في المستقبل.

لو نجحت كلينتون لما تغيّر شيء يُذكر من سياسة أوباما إزاء سورية، وربما لضُبطت العربدة الروسية قليلًا. أمّا وقد نجح ترامب، فإنّ سياساته العالمية لا تختلف كثيرًا عن جوهر تصريحاته في أثناء الحملة الانتخابية الأميركية، أي سَيُمكِّن روسيا من سورية، وسيُحارب معها التنظيمات الجهادية والإسلامية عامة، ولن يتساهل مع دول الخليج، ولن يتغيّر الموقف الأميركي من إيران؛ وتأكيده أن المسائل الداخلية هي الشيء المركزي في سياساته، لا يعني أن لا تغييرًا كبيرًا في سياساته في منطقتنا العربية، وسيظل الخطر الأكبر لديه الصين، كونها الدولة الأكثر نموًا، والأكثر توسعًا على حساب النفوذ الأميركي في الشرق الأقصى، وفي العالم.

ترامب -هذا- لم يتوقف عن تصدير مواقف عنصرية ضد الإسلام والأقليات والمرأة، وضد مفاهيم الدولة الحديثة والمساواة؛ وعلى الرغم من أن أميركا دولة تعتمد النظام الديمقراطي، وليس من السهولة إحداث إي تغيير فيه، وهي دولة مؤسسات وفصل بين السلطات، ولكنَّ فوزَ رجلٍ شعبويٍّ ويمينيٍّ متطرف، يشير بوضوحٍ إلى أن مستقبل المنطقة العربية سيعاني كثيرًا، وأن إسرائيل سيتعزز وجودها، وهناك من يَنقل عن ترامب تصريحه بأنّه سيدعم نقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، وهذا ستؤيده روسيا على الأغلب. إذًن؛ كلُ رؤيةٍ ما تزال تعوّل على السياسة الأميركية وقابليتها للتغيير يجب أن تُدان مباشرة، وهي مجافية للوقائع وللعقل، وترفض سياسات معلنة من الولايات المتحدة الأميركية؛ فسياسة هذه الدولة تقول: يجب الانتهاء من الثورات، ويجب إغراقها بالدماء، وتدمير بلدانها، كما يحصل في اليمن وسورية وليبيا، بل والعراق الذي شهد احتجاجات واسعة 2012؛ فكان لا بد من خلق داعش أولًا، وخلق الحشد الشعبي الإيراني ثانيًا، وكل ذلك تمّ بمراقبةٍ دقيقةٍ من الولايات المتحدة الأميركية.

المعارضة السورية، بكل تنويعاتها، القديمة والحديثة، أي بعد 2011، معنيّةٌ بفهمِ أنّ أميركا ليست بوارد دعمها، وسورية متروكةٌ لحربٍ إقليميّةٍ وروسيّةٍ عنيفة، والخطر الهوياتي فيها يتصاعدُ تصاعدًا كبيرًا، وبالتالي؛ وبحقيقة أن النظام اشتغل على التثمير في صراع الهويات ليُنهي الثورة، واستطاع فعل كثيرٍ في ذلك؛ فإنّ هذه المعارضة معنيةٌ بالعودة إلى خطابٍ وطنيٍّ في كل رؤيتها، سواء في علاقاتها مع العالم، أم في نظرتها إلى الشعب وثورته، وإلى النظام، والتخلص من كل تلكؤ يخص الجماعات السلفية أو الجهادية أو الإسلامية.

الدور الأميركي مع ترامب، وبعد فشل الإسلام السياسي في أن يكون “ديمقراطيًا”، وأن يستند إلى المواطنة كحال تونس أو المغرب، سيتشدّد -أكثر فأكثر- تجاه القوى الإسلامية، بكل تنويعاتها، وبالتالي؛ ليس للمعارضة إلا ذاتها، أي ليس لها إلّا الشعب؛ ليدعمَ مطالبَها، سواء الشعب السوري أم شعوب العالم. نقصد أنّ خمس سنواتٍ تكفي لإنهاء الرؤية الفاشلة في الاعتماد على الدول الإمبريالية أو الإقليمية، وإعادة التوازن إلى علاقاتها مع العالم؛ انطلاقًا من مصالح الشعب السوري بكليته؛ المعارض والموالي.

التشدّد ضد القوى الإسلامية سيعني إعادة التنسيق مع الاحتلال الروسي في سورية، والاعتماد اعتمادًا كبيرًا على قوات صالح مسلم، وربما التضييق على السياسات التركية في سورية. صحيح أن هذا لن يتغير مباشرة، وسيكون حالما يستلم ترامب مهماته الرئاسية، وهذا يشي بخطرٍ كبير، وهو تصعيد الهمجية الروسية في الأشهر المقبلة. إن إعادة الحياة إلى التنسيق الروسي – الأميركي سيكون عاملًا سلبيًا تجاه المعارضة، أو دول الخليج، أو حتى تركيا، وبالتالي؛ هناك متغيرات كثيرة ستكون لصالح النظام ورؤية روسيا للحل، وبالضد من المعارضة ورؤية تركيا ودول الخليج.

كرّرتُ مسألة القوى الإسلامية؛ لأنّ الموقف منها مطروحٌ إقليميًا ودوليًا، وأنه لا بد من التخلي عنها نهائيًّا. يشكل هذا الأمر مشكلة كبيرة، حيث يتغاضى عن القوى الإسلاميّة الطائفيّة الشيعيّة، ويرفض أي وجود للقوى الإسلاميّة الطائفيّة السنيّة؛ وتواجه مدينتان، ديانة أغلبيتها المذهب السني، خطرَ التدمير والقتل والتهجير، وتَصدرُ -تباعًا- بياناتٌ من الحشد الشعبي الإيراني، تؤكد مجيئها إلى سورية لدعم النظام، ودون أن تُواجَه بأيِّ رفضٍ إقليمي أو دولي جادّ، وبالتالي؛ يقعُ على القوى السياسيّة السوريّة -كافة- التفهمُ العميق للتغيرات المقبلة في الموقف الأميركي، والتخلص من داعش، وفق المخطط المرسوم أميركيا. طبعًا لا يعني -بحال من الأحوال- نهاية داعش، وربما سينشأ ما هو أخطر منه، وسيكون خطره العظيم على الشعب قبل أن يشكل مشكلةً لأميركا أو للنظام أو لروسيا؛ لكل هذه العوامل، فإنّ الابتعاد عن هذه القوى وإنهاء كل تنسيقٍ معها يصبح من الضرورات الحياتية للفصائل العسكريّة أو للمعارضة ذاتها؛ الموقف الروسي واضح في علنه المُحنّط؛ حيث كل موقف رافض للنظام هو موقف إرهابي، والخوف -الآن- أن يصبح الموقف الأميركي متطابقًا معه! وهنا، لا نصبح أمام اعترافٍ دولي بلا غالب ولا مغلوب، بل بشن معركة أكثر همجية ضد ما تبقى من قوىً خارج النظام؛ هنا المشكلة الأكبر، فهل تعي تنويعات المعارضة ما يؤشر إليه فوزُ يمين اليمين في أميركا على العالم وعلى الثورة السورية خاصةً؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق