مقالات الرأي

بين الثابت والمتغير في موقف المعارضة

حقيقتان، أو نتيجتان تقتحم واقع المعارضة السورية اليوم:

1 – إصرار معظم المجتمع الدولي على فشل المعارضة في إسقاط النظام.

2 – الموقف من “فتح الشام” ومصيرها..

وفود الائتلاف التي زارت عددًا من الدول الأوروبية وغيرها، ووجهت بموقف واضح وصريح من بعضهم، خلاصته أن الأسد باق، وأن المعارضة لم تستطع إزاحته، وبما يعني: البحث عن صيغة ما، توافقية، تعايشية معه، تختلف عمّا يُعدّ ثوابت المعارضة الخاصة بالموقف من مصير الأسد، ورفض وجوده واستمراره، على الأقل، حينما يُشرع في الحل السياسي، ويُنجز تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية (على اختلاف التفسيرات والمواقف من طبيعتها وحدود صلاحياتها).

والثاني، يخصّ ضرورة إعلان موقف صريح من “جبهة فتح الشام”، لا يقبل التأويل، بوصفها “منظمة إرهابية” وفق التصنيف الجمعي للمجتمع الدولي، وضرورة العمل على إخراجها من بين صفوف فصائل الجيش الحر، ومن بعض غرف العمليات المشتركة.

منذ أكثر من عام، وكحصيلة عامة لتضافر العاملين: الذاتي والخارجي، كان واضحًا العجز، أو عدم السماح في حسم المعركة مع النظام عسكريًا، وكأنّ الأمر جزء من تفاهمات دولية، خاصة بين كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، وبما يجعل من الحل السياسي الممر الوحيد لإنهاء الأزمة السورية.

لكن الحل السياسي، بدوره، ونتيجة تلك المفاعلات والنتائج، وانزياح مواقف العديد من القوى الدولية، ودخول روسيا -بقوة- على الخط كقوة احتلال ساحقة، عرف كثير التراجعات الانزياحات، إن كان لجهة مضامين قرار جنيف 1 (حزيران/ يونيو 2012)، وتوابعه، خاصة في مضمون صلاحيات الهيئة الحاكمة الانتقالية، ومصير رأس النظام وكبار رموزه، أو لجهة الجدّية في تكريسه، وفرضه.

لقد كان واضحًا لكل قراءة مُعمّقة، أن معظم الدول، بما فيها الشقيقة والصديقة، تُقرّ ضمنيًا، وبعضها علنيًا، ببقاء الأسد طوال المرحلة الأولى من العملية الانتقالية، أي ستة أشهر على الأقل، بينما مواقف بعضها الغامضة والمطاطية تذهب إلى أمداء أبعد، وتلتقي مع الموقفين الروسي والإيراني في استمراره كل المرحلة الانتقالية، أي ثمانية عشر شهرًا، قابلة لشيء من الزيادة، مع إشارات لحقه في خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

المعارضة، ممثلة -هنا- بالائتلاف، وبقرارات الهيئة العليا للمفاوضات تطرح موقفًا مختلفًا يُصرّ على عدم وجود الأسد، ولو ليوم واحد، في المرحلة الانتقالية، بما يعد ثوابت لا يمكن التراجع عنها، أو تعديلها.

هذا الموقف، الثابت، متقلقل -بدوره- بين أطراف المعارضة بين إمكانية بقائه؛ حتى تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، أي لما يقرب ستة الأشهر، وبين رفض وجوده ولو ليوم واحد مجرد الشروع بالعملية الانتقالية، وهو ما ظهر في مفاوضات جنيف، وما كان له دوره في تعليق المفاوضات، ثم تأجيلها إلى زمن غير واضح.

في حين أن التطورات التي جرت في العام الأخير، بدءًا من بيان فيينا 1، وبيان فيينا 2، ومضمون القرار الأممي 2254، ثم لقاء لوزان 1، والتفاهمات الأميركية – الروسية، جميعها تؤكد أن مضامين قرار جنيف 1 لم تعد هي تمامًا، وبالذات في ما يتعلق بمصير الأسد، وصلاحيات الهيئة الحاكمة الانتقالية، ومضمون العملية السياسية.

هذا التغيير الذي ترفضه المعارضة بإصرارها على التمسك بالثوابت التي تطرحها، والخاصة بمصير الأسد، ورفض وجوده، هو اليوم مطروح بقوة على المعارضة للتعامل معه.

بمعنى واضح: هناك ضغوط لتليين موقف المعارضة باتجاه القبول بهذا التغيير، القابل لمزيد من الانزياحات، وفي الوقت نفسه؛ وحتى تكون المواقف جدّية، وقابلة للتأثير، تستلزم وضعًا آخر لقوى وفاعليات وهيئات الثورة السورية في جميع الصعد، وهي غير قائمة في الواقع الحالي، خاصة لجهة وحدة العمل المسلح تحت رايات الجيش الحر، وانضواء الجيش الحر ضمن القيادة السياسية كجزء منها.. وهو الأمر الذي يحتاج إلى كثير من الجهد، وتوفر عدد من الشروط والعوامل المساعدة، ومن الوعي والإيمان بأهمية ذلك، وفق برنامج عمل واقعي قابل للتطبيق.

على صعيد آخر، عُرف الموقف من “جبهة النصرة” سابقًا “جبهة فتح الشام” حاليًا، مروحة متباينة من المواقف داخل مؤسسات المعارضة ذاتها، وتجلّى =بوضوح= أبرز بعد أن قامت الجبهة بتغيير اسمها وإعلان انفكاكها عن القاعدة بين من رأى فيه خطوة إيجابية لا بدّ منها، ومن دعا إلى فتح حوار معها بهدف “إقناعها” بالانضواء ضمن فصائل الجيش الحر، من منطلق أن أغلبية عناصرها من السوريين.

وبين من يرى في ذلك التغيير مجرد حالة شكلية لم تتناول جوهر المنطلقات والأهداف والأطروحات التي تختلف في الجوهر عن أهداف الثورة السورية، وبالتالي؛ المناداة بضرورة إعلان موقف صريح منها يعدها منظمة إرهابية، وأقله: حالة غريبة عن الثورة، ومناقضة لها، وينادي بضرورة عزلها، وخروجها من بين تشعبات فصائل الجيش الحر.

هذه اللوحة؛ حتى وإن كنا في فصل انتقالي تجمّدت فيه العملية السياسية حتى إشعار آخر يرتبط بطبيعة الإدارة الأميركية الجديدة، وتنصيبها رسميًا، وما ستطرحه وتعمل عليه، فإنها تملي على قوى المعارضة، خاصة في الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات، دراسة هذه المعطيات بواقعية والعمل على التعاطي معها من داخلها، وبروح المسؤولية، ووعي من يتبوأ موقع القيادة لثورة عظيمة، ولبلد مهدد بكل الأخطار.

وحتى يكون الموقف واضحًا، وغير قابل لتأويلات اتهامية، فليس المقصود الخضوع لترتيبات دولية لا تراعي مصالح وتضحيات وطموحات الشعب السوري في إسقاط نظام الجريمة والفئوية، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية لجميع السوريين، ولا أيضا التنازل عن الثوابت التي بلورتها معاناة وإرادة السنوات الست، بل العمل للدخول الفاعل في المعادلة كرقم لا يمكن الاستغناء عنه، ولا تجاوزه، بكل ما يستلزم هذا من جهد حثيث يعتمد على القوى الذاتية من جهة، ودعم الأشقاء والأصدقاء الحقيقيين من جهة ثانية، والشجاعة في التكتيك، والمرونة في التعاطي مع المتغيرات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق