مقالات الرأي

الشيخ برنارد لويس والدواعش

خلايا التفكير في عموم الثقافة الغربية نشطة جدًا، وقد تفرعت أصلًا من خلايا أنشئت من حكومات استعمارية، لتسهيل عملية التعامل مع المستعمرات، الخلايا التي أنتجت المفاهيم الاستشراقية، وهي مفاهيم لترويج وتسويغ السياسات، هذه الخلايا تطورت مع الزمن، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، وأصبحت أداة مهمة للتحكم في القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية، وكذلك لرسم الخطط وتقديم التوصيات للحكومات المتعاقبة في دول المؤسسات العميقة، ولعل من أهم هذه الخلايا مؤسسة راند، أو مؤسسة الأبحاث والتطوير (RAND Corporation) وهي كما يرد في تعريفاتها: منظمة غير ربحية، وخلية تفكير أميركية، تأسست في الأصل عام 1948، من شركة طائرات دوغلاس؛ لتقديم تحليلات وأبحاث للقوات المسلحة الأميركية. تُمول أبحاثها من وكالات حكومة الولايات المتحدة، ووكالات حكومات الولايات الأميركية، ووكالات حكومية غير أميركية، وجامعات وأوقاف مالية خاصة، وجمعيات مهنية وشركات ومنظمات غير ربحية أخرى، والدعم الخيري. نطاق عملها مع الحكومات الأخرى، والمؤسسات الخاصة، والمنظمات الدولية، والمؤسسات التجارية، هو حول القضايا غير العسكرية. تهدف راند إلى حلول تخصصية وكمية عن طريق ترجمة المفاهيم النظرية الرسمية للاقتصاد والعلوم الفيزيائية إلى تطبيقات جديدة في مناطق أخرى عن طريق العلوم التطبيقية وبحوث العمليات.

مؤسسة راند الأميركية لعبت دورًا خطِرًا في قضايا الشرق الأوسط، لأنها من المؤسسات المعنية برسم سياسات أميركا تجاه العالم الإسلامي، وفق تصورات استشراقية مرجعيتها الرئيسة سياسات هنري كيسنجر، ومشروعات كوندوليزا رايس، وأفكار المستشرق برنارد لويس، الذي واظب على نشر أفكاره عن الإسلام والمسلمين، بحصرها داخل دائرة الحقد الناجم عن الحسد. ويظهر جليًا هذا الفهم، بمصطلحاته وتعريفاته ومرجعياته، في التقرير الذي صدر منذ أقل من عشر سنوات، والذي رأست تحريره سارة برنارد، زوجة خليل زلماي زادة الأميركي من أصل أفغاني، والذي يعد ثعلب السياسة الأميركية في بدايات هذه الألفية، وخاصة في أفغانستان والعراق.

وهذه المؤسسة المعنية بتفكيك الإسلام، لإنتاج نسخة أميركية، لعبت ولا تزال تلعب دورًا كبيرًا في الحض على تنمية التطرف الديني، من أجل التأكيد على أن الإسلام متطرف بطبيعته، وأن المسلم عاجز عن تقبل الحداثة، وأن ما يحركه هو عامل الحسد تجاه حضارة الغرب، فيحقد عليها لعجزه عن مواكبة إنجازاتها الحضارية، هذه الرؤية التي تمثل عصارة ما قدمه (لويس) في عديد من كتبه ومقالاته عن الإسلام والمسلمين. وتروجها مؤسسات إعلامية عملاقة، وترسخها في الذهنية العامة في الغرب، وتتوجها من خلال اختراع مجموعات إرهابية، وتوظيفها التوظيف الملائم والمسوغ لكل السياسات المجرمة بحق شعوب المنطقة.

بمعنى آخر، هناك جهد حثيث من أجل أن يطفو على السطح مشروع إسلامي عماده التطرف والعداء للغرب؛ بسبب حداثة الغرب وليس بسبب سياسات الغرب؛ حتى وإن كانت سياسات الغرب العدائية هي الفضاء الأمثل لنموه، وأحيلت هذه المهمة إلى جهات استخباراتية ومافياوية، سهلت ظهور جماعات متطرفة في دائرة الإسلام الوسطي التاريخي (السني)، لأن وصم الإسلام التقليدي الواسع الانتشار، بالهمجية والتخلف لا يمكن أن ينجح ما لم ينطلق من صلب هذه الدائرة. ووجد الأميركيون فرصتهم التاريخية في أوضاع الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، حيث تشكلت جماعات جهادية بتمويل مفروض من أميركا، وبتنسيق وتدريب وهيكلة ودعم منها أيضًا، هذه الجماعات، وإن رفعت شعار إعادة السيادة للإسلام، لم يكن لها -قطّ- أي أيديولوجية واضحة؛ لبناء هذه السيادة، إذ بقيت في إطار مواجهة الغرب والأنظمة التي يدعمها بالإرهاب وحسب.

وأهم ما يفضح هذه المجموعات أنها تقوم على تمثيل اختزالي للإسلام، على أنه مجموعة حدود وعقوبات، يجب تطبيقها كيفما اتفق، وبطرق وحشية وإعلانية ومزاجية، لتحقق الغاية التي ذكرناها أعلاه، إضافة إلى إيهام المسلمين أنفسهم بأن الثقافة الإسلامية كلها مختزلة في هذا الأنموذج، أي أن الأصل في الإسلام إقامة الحدود؛ ما يجعلهم أكثر تطويعًا لعمليات التدجين والتنميط والتحكم.

داعش، وقبلها القاعدة، وكل المجموعات المشابهة، لا تعمل على استنباط الرؤية الإسلامية بخصوص العصر، ولا تهتم لذلك، إنما تعمل على تنفيذ وتأكيد الصورة النمطية المفتراة على الإسلام من برنارد لويس وأشياعه، يقتصر دورها على إتمام العملية الإعلامية، برفدها بأدلة لن يتمكن الإنسان الغربي من أدراك أنها مفبركة ومصنعة؛ لأنه مشحون بتمهيدات ملائمة، وتعرض عليه هذه الجماعات وسلوكياتها مرتبطة مع نصوص وشعارات مستقاة من النصوص الإسلامية وأدبياتها. قد تجد داعش أو القاعدة بعض التعاطف من فئات ساذجة ومحدودة، لكن التعاطف يقوم أصلًا على حالة القهر المديدة التي يشعر بها المسلمون -يوميًا- من جراء السياسات الغربية، والأنظمة العميلة والتابعة لها والمدعومة منها بضراوة.

هذه التنظيمات الإرهابية التي تدعي الإسلام، والمسلمون يتبرؤون ويعانون منها أكثر من غيرهم، تنظيمات مشبوهة في ممارساتها وتمويلها وتسليحها ودعمها وأساس وجودها، تنشر الفوضى والقتل ضد كل الأبرياء وكل الأديان وكل القوميات. لو كان الإسلام داعشيًا، لما كان هناك أثر لطائفة أو دين في المنطقة منذ أكثر من 13 قرنًا، داعش بكل ما فيها طارئة وغريبة عن النسيج العام للمنطقة عبر تاريخها، قد يكون لها أمثلة ضمن مجموعات طارئة ومحدودة وهامشية، لكنها لم تكن -قطّ- بهذا الحجم وهذه السطوة والقدرة، هي نتاج عقول استخباراتية وأنظمة سلطوية فاجرة، عملت عليها طويلًا، مستغلة عواطف المقهورين والمذلين، وراعية لقراءات متشددة للنص الديني، تنتج وحوشًا تحارب ذاتها قبل محاربة الآخر. علاقة داعش (وقبلها طالبان والقاعدة) بالإسلام أكذوبة، لا تقل عن أكذوبة علاقة السيد المسيح بحاملي راية المسيح الذين قتلوا، وفق تقديرات، 100 مليون من سكان الأميركتين، في أشرس همجية شهدها التاريخ.

ظاهرة التشدد الديني لا يمكن محاربتها في تمظهرها فحسب؛ يجب معالجتها في جذورها العقدية والفكرية، فالتشدد كارثة ذاتية. وخارطة التنمية في العالم لا تتطابق مع الخارطة الدينية، إنما مع خارطة التعصب بأشكاله الدينية والقومية، فالثقافة المتشددة تعطل التنمية، وتدمر الذات وتشكل خطرًا على إمكانية التعايش الإنساني، وأهم ما يجب إدراكه أن التعصب ليس سلاحًا للمتعصبين، إنما وسيلة تحكم بهم؛ لزيادة بؤسهم وتدمير إمكانية النهوض. ولأن التعصب في الأصل قائم على مبدأ رد الفعل؛ فهو مرتهن لمن يفعل، أي إنه حالة استلاب في العمق.

تنمية التعصب ورعايته، كانت وتبقى شأنًا سياسيًا بامتياز، لتحقيق مآرب ضيقة على حساب الشعوب، مهمة تكفلتها كل الأنظمة الاستعمارية، سواء أكانت استعمارًا خارجيًا أم داخليًا. وفي راهننا أصبحت هذه المهمة أكثر تعقيدًا وخبثًا، من خلال تقنيات معرفية وإجرائية تقوم بها أجهزة مختصة، تجمع بين الطابع الاستخباراتي والسياسة الإعلامية، مستفيدة من الإشكاليات التراثية العميقة، وما تستند إليها من صراعات.

علينا أن نقرأ -بعمق- رعاية اتجاهات قومية وسياسية، ونظم استبدادية للمؤسسات الدينية، والتحكم بخطابها من خلال تأويل سياسي للنص الديني بما يخدم ديمومة هيمنة هذه النظم والاتجاهات.

العالم اليوم يتجه بخطى واسعة نحو داعشية تشكل خرافاتها وتؤسطرها، ثم تحولها إلى مرتبة يقين لا يقبل النقاش؛ فصعود الوطنيات الضيقة التي تمزج بين النظريات الألمانية والفرنسية حول القومية، إضافة إلى الروح الاستعلائية والتعصبية، تنشر ثقافة داعشية البنية، وإن اختلفت التسميات والشعارات، ولا بد من فهم البعد الاقتصادي في عالم الشركات العملاقة، الشركات التي تتمسك -بشدة- بأن الصراع ذو مردود أكبر بكثير، وبما لا يقارن، من مردود الحالة السلمية، ولذلك؛ تنشر مزيدًا من البؤس والخراب في العالم، وتضغط على الحكومات؛ لإتاحة المجال للقتلة والمجرمين؛ ليمارسوا أفظع حالات الجريمة الواسعة والممنهجة، التي تحول البائسين أنفسهم إلى أدوات قتل ودمار.

وإذا كان الاستعمار التقليدي مجرد تطور لحركات الغزو التاريخية، التي بقيت لآلاف عدة من السنين نمطًا إنتاجيًا، يعود مردوده للطرف المنتصر بفئاته كلها، فإن الاستعمار الحديث يقود المجتمعات البشرية كلها إلى الفناء؛ استجابة لمصالح فئات مافيوية تتحكم في إنتاج أدوات الدمار الجزئي والشامل في آن واحد. إنها حالة يمكن فرزها -ببساطة- من منهجية أمثال الشيخ الداعشي برنارد لويس، الذي يؤسس -دومًا- لمعرفة متوافقة مع الموقف المسبق والغاية المبيتة، وليس لمواقف مبنية على معرفة متبصرة وعادلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق