سورية الآن

سورية «للقيصر» بشروط «ترامبية»

يستعجل كثيرون إعلان سقوط حلب. «القيصر»، حشد كل ما يمكنه من سلاح، بعضه استراتيجي لإسقاط حلب وإقفال ملف الشمال، مع التسليم لتركيا بوضع يدها على «الباب» بعد «جرابلس». سيطرة تركيا على 2500 كلم2 من الأراضي السورية الحدودية معها، تطمئنها بعد سقوط حلب، متى سقطت. سؤال كبير في عهدة موسكو، مَن سيدير شؤون وأمن حلب، وماذا عن مستقبل «الحلبيين»؟ هل سيتم تهجيرهم تمهيدًا لإقامة «توازن ديموغرافي» جديد؟

هذا التطوّر الذي يجري التمهيد له منذ أسابيع وأكثر، تعزّز مع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية. ترامب لم يكشف «أوراقه» بعد. لكن قراءة بعض كلماته وأفكاره، تؤكد تقاطعه مع مواقف «القيصر»، بالنسبة لسورية. إسقاط «داعش» والإرهاب هو المهمة الاولى والملحّة.

أما بشار الأسد فإن مصيره تراجع إلى الخلف، وهو ما سعى إليه واقتنعت به موسكو. سقوط حلب سيكون لمصلحة موسكو، بعيدًا عن خطابات الانتصار الأسدية – الإيرانية. قبول الرئيس ترامب بهذا، يعني التسليم بسرعة لموسكو بأن مستقبل سورية شأن روسي. هذا التسليم، يفتح مسارات عديدة لتفاهمات أميركية – روسية تمتد من بلاد القرم إلى أقصى الشرق الأوسط، مما يدفع للسؤال: هل العالم سيشهد أخيرًا اتفاق بوتين – ترامب على غرار سايكس – بيكو إنّما على خريطة أوسع تتجاوز الخط الضيّق الممتد من دمشق إلى بغداد؟

موسكو لم تتراجع ولن تتراجع في سورية، وهي كما يبدو حتى الآن، قبلت بتقديم بعض الضمانات لتركيا، وهي تعمل وكأنها تركت إدارة العراق للإدارة الترامبية. موسكو لا تتدخّل في العراق سوى لبعض التصويب. وواشنطن لن تتدخّل في سورية إلاّ أيضًا سوى لبعض التصويب. الآن لن تغامر موسكو في إثارة المتاعب لترامب، ولذا لن تضعه أمام الأمر الواقع. ما يدفعها إلى ذلك أنها رحّبت به «صديقًا» لها، قواعد الصداقة تمنع حشر «الصديق». لذلك إذا وجدت ان إسقاط حلب يحشر ترامب أميركيًا أو أوروبيًا، فإنها قد تؤجّل الحسم إلى وقت آخر وتكتفي بـ»القضم والهضم» وفي الوقت نفسه تخفيف «الشهية» الإيرانية ممّا سيلاقي صدى حسنًا في واشنطن. من الواضح حتى الآن ان ترامب والأسماء المتداولة لإدارته يعارضون «الشهيّة» الإيرانية، فلكل شيء حدود.

السؤال المهم المطروح حول أسباب اندفاع موسكو بهذه القوّة وهذا الإصرار، لحسم معركة حلب وربما بعدها على الأرجح في مطلع العام القادم ادلب. مسؤول عربي على تواصل مع واشنطن وموسكو يروي بعض ما جرى بينه وبين مسؤول روسي معني مباشرة بسياسة بلاده في سورية، قال: «إن المسؤول الروسي أكد له – قبل فترة لم يكن الحديث عن الحسم في حلب قد دخل حيز التنفيذ – «ان روسيا حسمت موقفها من سورية لأسباب عديدة أبرزها:

– أن سورية في قلب سياسة روسيا الجيوستراتيجية، لذلك ستبقى مسألة أساسية مع فلاديمير بوتين الذي له الفضل في وضع هذه السياسة ومع غيره. سورية نقطة ارتكاز للاستراتيجية الروسية المستقبلية.

– أن محاربة الإسلاميين المتطرفين في سورية هي مسألة روسية داخلية. الحرب الروسية مع الإسلاميين المتطرفين بدأت في افغانستان التي ابتلعت فيها «كأس السم» حتى الانسحاب الشامل المهين. ثم تمدّدت إلى الشيشان التي ما زالت ذكراها وآثارها بادية على «الجسد الروسي» حتى الآن، ما يعزز ذلك ان للشيشانيين مشاركة متميّزة في سورية مع المجموعات الإسلامية الأكثر تطرفًا.

– أن الرئيس بشار الأسد خدم ويخدم الاستراتيجية الروسية لحاجته لها، لكن هذا لا يعني مطلقًا ان موسكو «متعلقة» به إلى درجة اعتبار خروجه من على المسرح السوري «كارثة« لها كما تفكر طهران وتعمل له، انطلاقًا من ان سقوط الأسد خط أحمر بالنسبة إليها.

وإذا ما ثبتت هذه المواقف بعد خطاب القسم الرئاسي لترامب في 20/1/2017 فإن بلورتها ستتم في القمّة الأولى لبوتين – ترامب، وإذا ما تم تثبيت تسليم سورية «للقيصر»، فإن الأخير مضطر لتقليم أظافر إيران في سورية وبطبيعة الحال معها «حزب الله». هذا الموقف لن يكون مزعجًا لموسكو لأنه يعني إضافة مكسب إلى مكاسبها الأخرى. لذا سيصبح السؤال كيف سترد طهران على هذا التحوُّل؟ هل تقتنع بتخفيض ما كسبته بأموالها ودماء «الحرس« و«حزب الله» والميليشيات الشيعية العراقية والباكستانية والأفغانية؟ وماذا يمكنها أن تفعل وأين سترد؟ وكيف سينعكس كل ذلك على موقع «الحرس الثوري» وعلى تركيبة السلطة الإيرانية؟

(*) كاتب لبناني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق