مقالات الرأي

ثورة وطنية ديمقراطية

ربما لم يعرف التاريخ العالمي ثورة، تداخلت المهمات الملقاة على عاتقها، مثل الثورة السورية؛ فهي ثورة سياسية؛ لإنهاء نظام الاستبداد، ومن أجل الحرية والكرامة والمواطنة. أيضًا، هي ثورة من أجل استعادة الدولة، وإعادة الاعتبار للنظام الجمهوري، حيث السيادة للشعب، بعد أن هيمنت عليها، أو صادرتها طغمة حاكمة، وحولتها إلى النظام الوراثي. وفوق هذين، فهي ثورة اجتماعية أو طبقية، ضد تحكم فئة بالموارد وبقطاعات الاقتصاد وبالمجال العام.

القصد من كل ذلك أنه لا يمكن تعيين هوية معينة لثورة السوريين؛ لأن ذلك يعني إغلاقها، أو تقييدها، في حين أنها ثورة مفتوحة الآفاق، وتحمل وعودًا كثيرة على المدى البعيد، بما لها وما عليها، وعلى الرغم من الثغرات المتضمنة فيها، وذلك بالنظر إلى انخراط أو “تورط” معظم فئات الشعب فيها، وبحكم التحديات التي تواجهها، والمهمات التي يفترض أن تحلها.

على ذلك؛ قد يكون التعريف الأكثر مقاربة لها هو عدّها ثورة وطنية ديمقراطية؛ لأن هذا التعريف المختصر والمكثف يتضمن طابع الشمولية والوعد بالتغيير، وتحديد هوية النظام المرتجى، الذي يتوافق، أو يتلاءم مع كل فئات السوريين، السياسية والحزبية والأيديولوجية والطبقية والإثنية.

هذه -إذن- ثورة وطنية، بداية؛ لأنها تواجه نظامًا نأى بنفسه عن الشعب، أو خاصم أغلبية الشعب، بوصفه سورية هذه خاصته، وفقا لشعاره: “سورية الأسد إلى الأبد”، أو “سورية الأسد أو لا أحد”، حيث لا يعترف النظام بوجود شعب له حقوق، ولا بمواطنين أصحاب حق؛ هذا أولًا. ثانيًا، لأن النظام تعامل مع ثورة السوريين كأنه خارج، أي كأنه سلطة احتلال؛ إذ لم يرض انتهاج طريق المساومة، أو الحل السياسي، وإنما ذهب مباشرة إلى أقصى وأقسى الحلول الأمنية، باستخدامه الجيش، وسلاح الطيران. ومعلوم أن سلطة الاحتلال تكون غريبة عن المجتمع، أي أنها تقتل أو تقمع شعبًا أخر، في حين أن النظام يفعل أكثر وأخطر من ذلك؛ لأنه يقمع ويقتل في شعبه، أو ما يُفترض أنه شعبه؛ ما يؤكد حال الاغتراب التي يعيشها النظام، أو يتصرف على أساسها. مثلًا، وبحسب إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن نحو 93 بالمئة من الضحايا المدنيين، منذ العام 2011، سقطوا على يد النظام، 50 بالمئة منهم -تقريبًا- ذهبوا ضحية القصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة وقذائف المدفعية والدبابات. ثالثًا وأخيرًا، هذه ثورة وطنية بمعنى الكلمة؛ لأن النظام فتح البلد على مصراعيه أمام القوات الأجنبية، الإيرانية والروسية؛ ما يعني أن سورية أضحت تقبع تحت احتلال من دولتين، هما روسيا وإيران، وهاتان الدولتان تتحكمان بمصير سورية وشعبها، وبقرارات النظام كذلك.

إضافة إلى كل ذلك؛ إنها ثورة وطنية؛ لأن أغلبية الشعب معنية بالتحرر من النظام، وإنهاء نظام الاستبداد، الذي يضع نفسه في مواجهة المجتمع، بكل طبقاته وفئاته، لذا؛ فمن مصلحة الثورة السورية أن تخاطب جميع الفئات، بغض النظر عن انتماءاتها الطبقية أو الطائفية، أو الإثنية أو المناطقية، أو السياسية أو الأيديولوجية، وأن تعبر عن تطلعاتهم، في نظام يكفل حقوقهم. وهي ثورة وطنية؛ لأن وحدة سورية، التي يتحدث عنها الجميع، تتأسس على وحدة السوريين، بكل تنوعاتهم وتعدديتهم؛ إذ لا يمكن أن تكون هناك وحدة جغرافية بدون وحدة مجتمعية؛ ولأن مهمة الثورة السورية صياغة الإجماعات الجديدة للسوريين، أي صياغة هويتهم، ورموزهم، ودستورهم.

من ناحية أخرى، هذه ثورة ديمقراطية، أولًا؛ لأنها تتوخّى إنهاء نظام الاستبداد، ووضع الأسس اللازمة للحؤول دون إعادة إنتاجه من أي جهة أو جماعة كانت، وتحت أي مبرر كان. ثانيًا؛ لأنها تتوخى تحقيق الحرية والكرامة والمواطنة، لجميع السوريين والسوريات، بدون أي استثناء. ثالثًا؛ لأن النظام الديمقراطي، الذي يتأسس على المواطنين الأحرار والمتساوين، والفصل بين السلطات (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، ودولة المؤسسات والقانون، وحرية الأحزاب ووسائل الإعلام والمشاركة السياسية وتداول السلطة، هو النظام الأكثر تمثيلًا لسيادة الشعب، والأفضل للمحافظة على الاستقرار الاجتماعي، وضمان حقوق السوريين الفردية والجماعية.

فكرة الثورة الوطنية الديمقراطية لا تعني التقليل من الطابع الطبقي المتضمن في الثورة السورية، التي قامت ضد نظام انتهج الليبرالية المتوحشة، في نظام مافياوي، اعتمد الفساد والإفساد، وامتلك موارد البلد، وهيمن على قطاعاتها الاقتصادية، وهشّم بناها الإنتاجية (بدعوى التأميم)، وعمق تبعيتها للخارج، وأعاق تطورها، وإنما تعني أن الثورة الوطنية الديمقراطية هي المعبر إلى أي تغيير مقبل؛ لأنها تفترض تكاتف معظم قطاعات الشعب لإنجاز هذه المرحلة الضرورية، التي لا بد منها، للولوج بعد ذلك، وفي إطار النظام الديمقراطي، في المهمات التالية، التي تتعلق بالبناء الاجتماعي، وشكل النظام الاقتصادي، وكيفية إدارة البلد.

هذه -إذن- ثورة وطنية ديمقراطية، وكونها كذلك؛ فهي تحتاج إلى تضافر كل القوى الوطنية حقًا، والديمقراطية حقًا؛ لأن الصفات لا تعني شيئًا من دون تمثلاتها في الرؤى والعلاقات وطرق العمل، لذا؛ فإنها تحتاج -أيضًا- إلى كيانات وخطابات وحوامل سياسية تتلاءم مع ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق