مقالات الرأي

الصين والنظام السوري: نقطة الارتكاز

بلغت جمهورية الصين الشعبية المرحلة التي استشعرت خلالها القدرة على مواجهة الضغوط، وامتلاك بدائل مختلفة، تمكنها من توسيع قاعدة مناوراتها الديبلوماسية على المستوى الدولي، فالصين تمتلك احتياطيًا نقديًا قيمته 1.16 تريليون دولار، وهو ما يساوي 26.1 من دين الخزينة الأميركية، كما أن حجم تجارتها الخارجية بلغ -عام 2010- حوالى 1.5 ترليون دولار يذهب 20 بالمئة منها للولايات المتحدة الأميركية، فضلًا عن أنها تحتل المرتبة الثانية في إجمالي الناتج المحلي على المستوى العالمي، وهو ما يجعل الضغط الاقتصادي عليها أمرًا متعذرًا، ولا شك في أن الضغط العسكري غير متاح، أما الضغط السياسي غير المدعوم بآليات اقتصادية أو عسكرية، فيبقى محدود الفاعلية([1]).

استندت الصين إلى هذا الأساس القوي في رسم الاستراتيجية التي تحدد توجهات سياستها الخارجية، والتي تتضح ملامحها في النقاط التي أوردها شين باي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة بكين، في كتابه “الصين ستقود العالم”([2]) وأهمها:

السعي للسيطرة على النفط الآسيوي، والتوسع في النشاط الاقتصادي.

العمل على إنشاء تكتلات سياسية حول الصين، تشكل الصين محورها.

التحرك العسكري الصيني في أنحاء العالم، خصوصًا في الممرات المائية المهمة، والسعي للسيطرة على بعضها.

تقوية الوجود الصيني في منطقة الشرق الأوسط عبر استراتيجية منظمة وطويلة الأمد.

ويبدو أن الموقف الصيني تجاه منطقة الشرق الوسط وما شهدته من موجات الربيع العربي، وتحديدًا الثورة السورية، أخذ يتبلور وفقًا لسياق الاستراتيجية السابقة، حيث تجاوز الموقف الصيني من الأزمة السورية حدود عدم الرضا عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، إلى الموقف المباشر والمعارض لتلك السياسة علنًا، بعدما استخدمت الصين‏ حق الفيتو؛ للاعتراض على مشروع القرار العربي – الأوروبي‏، ‏ الذي يتبنى دعوة الجامعة العربية إلى تنحي الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة.

الفيتو الصيني الذي عُدّ تطورًا نوعيًا مهمًا، ليس -فحسب- في أسلوب تعامل الصين مع منطقة الشرق الأوسط الغنية بموارد الطاقة الضرورية؛ للمحافظة على نموها الاقتصادي المتسارع، وإنما -أيضًا- في نظرة بكين إلي دورها الدبلوماسي والسياسي على الساحة العالمية، وهي التي تُعد من أقل الأعضاء الدائمين استخدامًا لحق الفيتو، (استعملته 13 مرة خلال 41 عامًا)؛ لتستخدم هذا الحق أربع مرات؛ لإحباط صدور قرارات عن مجلس الأمن، اثنان منها دعيا إلى تنحي الرئيس السوري (بشار الأسـد)، وثالث طالب بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على النظام السوري، الـذي ينص على فرض عقوبات، والرابع سعى إلى إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية. فعارضت الصين أي تدخل عسكري في سورية؛ حتى وإن جاء لمحاربة التنظيمات الإرهابية فيها.

واللافت أن الصين كانت تستطيع محاباة معظم الدول العربية والغربية، عن طريق الاكتفاء بالامتناع عن التصويت، كما فعلت سابقًا حيال القرار الخاص بالأزمة الليبية، ولا سيما أنها كانت تعلم -مسبقًا- أن روسيا سوف تستخدم حق الفيتو؛ لإجهاض مشروع التدخل الدولي ضد نظام الرئيس الأسد، لكن بكين قررت أن تدلي بدلوها وتعترض علانية، على الرغم مما استتبعه ذلك من انتقادات خليجية وأميركية شديدة.

يسهم تدخل الصين في واقع توازنات القوى في الشرق الأوسـط، إلى جانب كل من روسيا وإيـران، في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية؛ بإحداث تطور جديد في تلك المعادلة، خصوصًا في ظل تصاعد أزمات المنطقة إلى حدٍ باتت فيه النزاعات المسلحة تعكس واقع تلك التوازنات.

وتعد الصين الشرق الأوسط عامة، وسورية خاصة، منطقة ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية وأمنية لها، ويعود تاريخ العلاقات الصينية – السورية إلى مئات السنين، فهي نقطة التقاء لثلاث قارات، عبر عدد من الممرات البرية والبحرية والجوية. وشكلت سورية الطريق التجاري الذي ربط بلاد الصين ببلاد العرب، والذي عُرف بطريق الحرير قديمًا. وخلال العصر الحديث اهتمت الصين بسورية، منذ نشأة جمهورية الصين الشعبية منتصف القرن الماضي، فشكلت سورية النقطة الأضعف للنفوذ الغربي في منطقة الشرق الأوسط، وخط الدفاع الأول عن مصالح الصين في آسيا الوسطى والقوقاز، وبلد العبور إلى معظم النفط العراقي، ما بين عامي 1934 و1982، وإلى كثير من النفط السعودي ما بين عامي 1973 و1982([3]).

فعند النظر إلى العلاقات الصينية-السورية المباشرة، نجد أن هذه العلاقات التي تعود إلى عام 1955، ليست ذات قيمة بالمعايير التقليدية؛ إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين حوالي 2.48 مليار دولار (من بين مئة مليار دولار تمثل التجارة العربية-الصينية) عام 2010، إضافة إلى نحو 1.82 مليار كعقود هندسية صينية في سورية، و4.82 مليون دولار تحويلات عمال صينيين في ما يقارب 30 شركة صينية في سورية، و16.81 مليون دولار استثمارات صينية مباشرة، وتحتل الصين المرتبة الأولى حاليًا في الشركاء التجاريين لسورية، بنسبة تصل إلى 6.9 بالمئة من إجمالي التجارة السورية مقابل 3 بالمئة لروسيا الاتحادية([4])، كما أن الشركات الصينية تساعد سورية في مواجهة المشكلات التكنولوجية الناتجة عن العقوبات الأوروبية على سورية، في القطاع النفطي الذي يمثل 20 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي السوري.

وفي عام 2002، التقت أهـداف السياسة الخارجية السورية، مع المساعي الصينية الهادفة إلى زيادة نشاطها الاقتصادي في العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط، بعد طرح الرئيس بشار الأسد -في العام نفسه- استراتيجية تسعى لتحويل سورية إلى قاعدة لنقل الغاز، ومنطقة تجارة حرة تصل بين الشرق والغرب، عبر ربط البحار الخمسة (المتوسط، قزوين، الأحـمـر، الأســود والخليج الـعـربـي) مـن خـلال سـوريـة. وبينما لـم تتحمس الـولايـات المتحدة والدول الغربية ([5])، رأت الصين في استراتيجية بشار الأسد مشروعًا لإحياء طريق الحرير، يمكن أن يسهم في بناء منطقة جديدة للتنمية الاقتصادية في غرب الصين، تكون بمرتبة جسر يربط آسيا والمحيط الهادي شرقًا، بالمنطقة العربية غربًا، وتشكل بذلك أطول ممر اقتصادي رئيس في العالم، ونمطًا جديدًا للانفتاح الصيني ([6]).

في المقابل، شكل توقيت اندلاع الثورة السورية عاملًا مهمًا، وشديد التأثير، في مسار أحداث تلك الثورة، وللأسف يبدو أنه لم يكن في صالح الشعب السوري؛ إذ تزامن مع الاستراتيجية الأميركية لنقل اهتمامها من الشرق الاوسط إلى المحيط الهادئ؛ ما ولّد فراغًا إقليميًا تسعى إيران إلى شغله، وفرصة لروسيا التي تحاول العودة إلى مسرح الأحداث الدولية، وتلاقى ذلك مع مصلحة الصين التي تعدّ التوجهات الأميركية الناشئة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهي الطامحة للعب دور دولي أكبر، يكون متناسبًا مع قوتها الاقتصادية والعسكرية الصاعدة؛ فشكلت سورية بذلك المحور نقطة الارتكاز الأقوى، والبوابة شبه الوحيدة لتحقيق تلك المصالح، وبناء على تلك القاعدة تَشكل الموقف الصيني تجاه الأزمة السورية؛ ليتصاعد ويأخذ مداه ضمن المحور الناشئ (روسيا – إيران) في مواجهة القطب الأميركي، ولعل دوافع الموقف الصيني تبرز بروزًا أوضح عبر دراسة أداء بكين في إطار التوازنات الدولية والأحلاف الناشئة.

[1] وليد عبد الحي، محددات السياستين الروسية والصينية تجاه الأزمة السورية، مركز الجزيرة للدراسات، 2012.

[2] السيد ولد أباه، عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001: الإشكالات الفكرية والاستراتيجية (بيروت: الدار العربية للعلوم- ناشرون 2004)، صـ 78.

[3] أحمد طاهر، توازنات جديدة: مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية، مجلة السياسة الدولية (1 تموز/ يوليو 2013).

[4] غرفة تجارة دمشق، دراسة عن العلاقات الاقتصادية بين الجمهورية العربية السورية وجمهورية الصين الشعبية، الإصدار 2، 2010.

[5] عبد الوهاب المسيري، الشرق الأوسط الجديد في التصور الامريكي الصهيوني، مركز الجزيرة للدراسات (2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006) .

[6] عبد الصمد سعدون عبد الله، الصراع على موارد الطاقة: دراسة لمقومات القوة في السلوك الدولي للصين، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 15 (صيف 2007)، صـ95.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق