أدب وفنون

رواية عاموس عوز “يهوذا” الإسخريوطي بريئًا من دم يسوع

“إليكم حكاية تعود إلى شتاء نهاية عام 1959،0 وبداية عام 1960، حكايةٌ عن الضّلالة والرّغبة، عن حبٍّ من طرفٍ واحد، وعن سؤال دينيّ يراوح دون جواب. ما تزال بعض الأبنية تحمل آثار الحرب التي قسمت المدينة منذ عقدٍ مضى. وفي الخلفيّة بإمكانكم سماعُ آهات أوكروديون بعيدة، أو صوت هارمونيكا تنتحب خلفَ الأبواب الموصدة”.

بهذه الكلمات تبدأ رواية “يهوذا” للروائي والمفكّر اليساري، عاموس عوز، والمعروف بمواقفه المثيرة للجدل في إسرائيل، كمعارضته للاستيطان وإيمانه بحلّ الدولتين.

كانت الرواية قد صدرت بالإنكليزية أخيرًا، بتوقيع نيكولاس دي لانج، علمًا بأنّ نسختها العِبرية قد حملت عنوانًا مختلفًا عن الترجمة الإنكليزية وهو “إنجيل يهوذا”.

تشغل شخصية يهوذا الإسخريوطي موقعًا مركزيًّا في الرواية المسيحية على نحو خاص، كما تشكّل حجر زاوية في تاريخ العلاقة الإشكالية بين الديانَتين: اليهودية والمسيحية؛ إذ لطالما كانت موضع خلاف وجدل بين الباحثين؛ لما يكتنفها من روايات متضاربة عدّها بعضهم تهديدًا لصدقية الكتاب المقدّس، كما دفعت بآخرين، كالباحث الإيرلندي سي. إس. لويس؛  للقول: إنّه ليس من الضرورة أن تشير جميع نصوص الكتاب المقدّس إلى حقائق تاريخية، كما ذهب آخرون إلى القول بأنّ الرواية المسيحية حول حادثة العشاء الأخير، وما تبعها من أحداث، إنّما كانت روايةً رمزيّةً فحسب، وبحسب الرواية المسيحية الشائعة، فإنّ شخصية يهوذا الإسخريوطي، وهو أحد تلاميذ المسيح الإثني عشر، تُعدّ بمنزلة رمز للغدر والخيانة؛ فقد خانَ التلميذ معلّمه المسيح، وباعه لرؤساء الكهنة اليهود، ومن ورائهم الرّومان بثلاثين قطعة فضّية، وكما تقول الرواية؛ فإنّ يهوذا كان على دراية بالأماكن التي اعتاد يسوع أن يختلي فيها بتلاميذه، فدلّ اليهود على مكانهم في بستان جثسيماني، وكان قد اتفق معهم مسبقًا على إشارة القبلة الشهيرة التي سيتعرّفون -بموجبها- على يسوع (سيكون الشخص الذي يُقبِّله يهوذا هو يسوع الناصري)، وعندما وصلوا، قال له يسوع جملته المعروفة والمذكورة في الإنجيل (يا يهوذا، أَبِقبلةٍ تُسَلِّمُ ابن الإنسان؟)، وتُكمِلُ الرواية المسيحية بأنّ يهوذا قد نَدِم على ما فعله بيسوع، فأعاد الفضة للكهنة، ثمّ شنق نفسه.

 

يهوذا بريئًا ومسيحيًّا في رواية عوز!

لا يتّفق عاموس عوز مع الرواية السائدة مسيحيًّا حول الحادثة التاريخية الممثّلة في العشاء الأخير، وما يلفّها من إدانةٍ للإسخريوطي وخيانته التي أودت بيسوع المسيح، إذْ يقدّم عوز رواية مغايرةً تمامًا على لسان شموئيل آش، أحد شخصيات روايته الجديدة الصادرة بالإنكليزية أخيرًا بعنوان “يهوذا”، وهو عنوان مختلف عن العنوان الأصلي للنسخة العبرية التي عنونها عوز بـ “إنجيل يهوذا”.  تدور أحداث الرواية في مدينة القدس شتاء سنة 1950، في منزل مزدحم بالكتب والذكريات، يملكه أكاديمي متقاعد وطاعنٌ في السنّ، يدعى غيرشوم والد، تقطن في المنزل نفسه امرأة أربعينية جميلة وغامضة، تدعى أناتاليا آبرانافيل، وهي أرملة ابن غيرشوم، وابنة زعيم صهيوني مناوئ لـ بن غوريون اسمه شيلتيل، اتّهمه أبناء جلدته بالخيانة؛ لأنّه كان على علاقة طيبة مع العرب الفلسطينيين، وكما يروي عوز فقد كان شيلتيل يزور أصدقائه العرب؛ حتى في ذروة القتال والقنص، وأنّ جيرانه اليهود كانوا يلقّبونه تهكّمًا بالمؤذّن، وبالحاج أمين. كان شيلتيل يعدّ نفسه من “القلّة المتبقّية من الصهاينة الحقيقيين الذين لم تفسدهم القومية”، كما يقول على لسان ابنته.

يتقدّم شموئيل، الشاب العاثر الحظ (شليمازيل بالعبرية)، واليساري العاطفي المفتون بالأفكار الجديدة لوظيفة مرافقٍ مقيم مع العجوز غيرشوم، كان شموئيل قد أنهى للتوّ علاقة حبّ عاصفة، كما هجَرَ مشروع دراسته العليا حول شخصية المسيح في اليهودية، وراح يبحث عن عمل في القدس بعد إفلاس شركة والديه التي كان يعتاش من إيراداتها.

يحصل شموئيل على الوظيفة لتبدأ الحكاية في تلك الشقة “المثقَلة بالكتب والذكريات” -كما يصفها عوز- ويشتبك الثلاثة في علاقة مركّبة وغنيّة بالرمزية، يستعرض عبرها عاموس عوز تاريخ إسرائيل المعقّد مصوّرًا الحياة في مدينة القدس نهاية الخمسينيات، فيما تسير إلى جانب هذا الخط السرديّ قصّة حبّ مدهشة، إذ توقِع أناتاليا شموئيل في شراكها، لكنّها تبقى بعيدة عن متناوله، في الوقت الذي يدرك فيه شموئيل استحالة فوزه بقلب أناتاليا، فإنّه لا يجدُ مفرًّا من الوقوع في غرامها، وكأنّ ذلك مقدّرٌ له، ولربما حاول عاموس عوز أن يربط ما بين حتميّة قصة غرام شموئيل المقدَّرة، وخيانة يهوذا الإسخريوطي التي كانت مقدّرةً أيضًا كما تُشيرُ إليه الرواية.

يجلس هؤلاء الثلاثة معًا، يشربون “غالونات من الشاي” كما يقول عوز، ويتحدثون عن كل شيء، عن الدين والمال والجنس، عن العرب واليهود والمسحيين، وعن يهوذا الإسخريوطي وعيسى المسيح، وعلى ما يبدو فإنّ عوز يستعيد من خلال الرواية بعضًا من شبابه في مدينة القدس.

تشغل حكاية يهوذا الإسخريوطي مع يسوع المسيح هاجس الرواية الأساسي، وهي حكاية تتناقض -بالمجمل- مع الرواية التاريخية والدينية السّائدة لما يزيد عن ألفي سنة، فيهوذا هنا ليس خائنًا، ولا يهوديًا حتى، وكما يقول عوز على لسان شموئيل، فقد كان يسوع قلقًا وخائفًا من الموت، بينما كان يهوذا صلبًا متماسكًا، قام بدور المتعهّد لحملة صلب “صانع المعجزات يسوع الناصري“، -ليس لأنّه لم يؤمن به- بل على العكس، لشدّة إيمانه بأنّ ذلك مُقدّر، إلاّ أنّه حين أدرك عجز يسوع أمام قدره وعجزه عن النزول عن صليبه، أصيب بالذهول، وشنق نفسه “كأولّ وآخر مسيحي حقيقي”. تلك رواية عوز التي يرى فيها تصويبًا تاريخيًّا من شأنه أن ينزع السمّ من الرواية السائدة، التي كرسّتها التصويرات النمطية للعشاء الأخير، والتي تُظهِرُ “يهوذا الخائن” بملامح مختلفة عن الحواريّين “ذوي الملامح الآريّة”، بحسب ما يقول.

و بصوته المتهدّج في اللقاء المفتوح مع القرّاء، والذي نظّمته صحيفة الغارديان البريطانية في صالة إيسلنغتون في لندن بتاريخ 12 سبتمبر/أيلول الفائت، بمناسبة إصدار الترجمة الإنكليزية لروايته، قال عوز: إنّ حكاية يهوذا لازمته لما يزيد عن نصف قرن، منذ كان مراهقًا وعثر على كتاب العهد الجديد في المكتبة؛ لينجذب لشخصية المسيح ببساطتها وعطفها، وبينما كان الفتية ينصرفون إلى لعب كرة السلّة وملاحقة الفتيات، كنتُ منهمكًا في قراءة الأناجيل واستكشاف مسيحي المحبّب، كانت تلك منطقة محرّمة لفتى يهودي، وبقدر ما جذَبَتني شخصية المسيح، بقدرِ ما أثارت قصّة يهوذا الإسخريوطي سخطي الشديد، “ليس سخطًا دينيًا”، كما يقول، إنّما أثارت المحقق الصغير الذي في داخلي، إنّها “قصة خبيثة وقبيحة، كُتِبت بطريقة سيئة، ولو وُجِدَ محرّر لائق للإنجيل، فإنّ حكاية كهذه كان يجب أن تُسْتَبعَد من الكتاب المقدّس”، فهي حكاية ضعيفة ومهلهلة، فيهوذا لم يكن معسِرًا، بل كان ميسور الحال، ولا معنى لأن يجعل من نفسه خائنًا، مقابل مبلغ لا يعادل سوى 500 دولار بحسابات اليوم، كذلك ليس هناك أي معنى لأن يستدلّ الكهنة على يسوع الناصري بقبلة يهوذا، ألم يكن الناصريّ ذائع الصيت في القدس الرومانية؛ لما أثارته عظاته من ضجيج في الهيكل؟ ألحّت تناقضات تلك الحكاية على عوز طيلة نصف قرن، ليس لعدم ترابطها فحسب، كما يقول، بل لأثرها التاريخي المدمّر مقارنةً بأيّ حكاية أخرى في التاريخ الإنساني، حيث يشبهها عوز بـ “تشيرنوبل معاداة السامية”.

 

إعادة تعريف “الخيانة”

ربما كان في شخصيّة شيلتيل، الأب المتوفى لأناتاليا، ما يمثّل جانبًا من شخصية عوز نفسه، فقد أدان عوز احتلال بلاده للأراضي الفلسطينية سنة 1967، في حرب الأيام الستة؛ حيث كان مواطنوه تحت تأثير نشوة الانتصار، كما يُعَدّ عضوًا مؤسسًا في حركة السلام الآن، وكما يقول عوز، فإنَّ “ما يرى فيه بعضهم خيانةً تستوجب التقريع، ليس سوى شجاعة المرء بأن يكون متقدّمًا على عصره”. وهذا هو جوهر الرواية وموضوعها الأساس سؤال الإخلاص والخيانة، فبالنسبة لعوز، ليست تهمة كالخيانة سوى مكافأة لأشخاص يرغبون في التغيير، لذا؛ فإنّهم يُتهمون “بخيانة القضية”، وعبر هذا الخط السرديّ يبدو أنّ عوز يُكرّر دعواته المستمرّة “للسلام الممكن” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس إلى “الحب المستحيل” كما يقول.

 

ولا تشكّل الرواية مفاجأة لكونها تحتوي على قدر كبير من الحفاوة والتقدير لشخصية المسيح من كاتب يهوديّ فحسب، ولإعادة الاعتبار ليسوع كيهوديّ وليهوذا كمسيحيّ، بل أيضًا؛ لأنّ عاموس عوز نفسه لطالما كتب بنبرةٍ قاسية عن قرون من “الاضطهاد المسيحي لليهود”، إلاّ أنّ بين عوز والمسيح صلَةٌ تعود إلى عمّ عوز جوزيف كلاوسنر، مؤلّف كتاب “يسوع الناصرة” 1921، وهو كتاب عمد من خلاله إلى التشهير بالمسيحيين واليهود، على حدّ سواء، ورأى فيه أنّ المسيح وُلِدَ يهوديًا ويهوديًّا مات، وكما يقول عوز، فإنّ المسيح “لم يأت بدين جديد، ولم يصلب نفسه، فما من سبب يدعوه لذلك، كما أنّه لم يدخُل كنيسةً قَطّ، بل كان يذهب إلى الكنيس”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق