أدب وفنون

والدي صورة في إطار

عشت طفولتي المبكرة وحيدًا مع أمي، دون أن أعي -آنذاك- لماذا كانت تصرُّ، كلما أيقظتني من نومي في الصباحات المبكّرة، على تلقيني تلك العبارة التي بتًّ أكررها مثل ببغاء: “قول للبابا صباح الخير”.

كانت تشير بإصبعها إلى صورة بالأبيض والأسود، معلّقة على جدار مواجه لسريري، لرجل بذقن وشاربين كثيّن، وتطلب مني أن أرددّ تلك العبارة. بعدها، تشرق الابتسامة على وجهها، وتفتح ذراعيها. تحضنني، وتمطرني بقبلاتها الصباحية الدافئة، فأنتشي برائحتها التي تملؤني بهجةً وحنانًا.

بلغت الخامسة والثلاثين من عمري، لكنني كلما استعدت تلك اللحظات الطفولية، أنتشي برائحة أمي التي عاشت حياتها: رحلة مكابدة، وألم، وانتظار.

كانت تبدو لي أمي -دائمًا- في تلك الصباحات في عجلة من أمرها، تغيّر لي ملابسي بعد اغتسالي، تحضر لي وجبة إفطاري السريعة، ثم ترتدي ملابسها، وتسارع إلى ترتيب حقيبتها، التي تملؤها بحاجاتي، تمسك بيدي، ننزل درج البناء بسرعة، إلى أن نصل الشارع. نقف بانتظار الحافلة التي ستقلّنا إلى المؤسسة التي تعمل بها.

تتركني في الحضانة التابعة للمؤسسة، بعد أن تسلّم حاجاتي للمشرفة، وهي تتبادل معها بضع كلمات، لا أفهم منها سوى أنها تخصّني، ثم تغادر على عجل، فتظل عيناي معلقتين على الباب الذي خرجت منه، إلى أن تنبهني المشرفة، فأسارع للانضمام إلى باقي الأطفال… كان ذلك الإيقاع يتكرّر يوميًا، صيفًا وشتاءً، باستثناء أيام العطل والأعياد، حيث تتركني أمي أستمتع بنومي الصباحي، لكنها لا تنسى أن تطلب مني -حينما أستيقظ- أن ألقي تحية الصباح على صورة “والدي” المعلّقة على جدار.

هكذا تفتّح وعيي على أن لي أبًا ككل الأطفال. الفارق الوحيد بيني وبينهم أن والدي مجرد صورة على جدار. بدأت أعي -بعدئذ- أن هذا الرجل – الصورة، والدي، هو في السجن، وأنه هناك، ليس لأنه مجرم، أو سارق، أو….، بل لأنه صاحب رأي سياسي معارض. مجرد رأي، وليس ثمة ما يدعو إلى الخجل من أن والدي في السجن، الذي يسمّونه “المعتقل”، بل على العكس، يجب أن أفتخر؛ لأنه ورفاقه القلائل، قالوا كلمتهم -بشجاعة- في زمن كان الصمت والإذعان خلاله هو السمة العامة للمشهد؛ إذ كان من السهل اتهام أي معارض سياسي بـ “خيانة الوطن”. والزج به سنوات طويلة في أقبية النظام، دون أن يتجرأ أحد على المطالبة به، أو السؤال عنه.

في أول مصافحة لي مع كتبي، وكراريسي المدرسية، طالعتني صورة لرجل آخر؛ صورة غامضة، مخيفة، لرجل عابس، يرتدي بذّة ضيقة. رافقتني تلك الصورة في كل مراحلي الدراسية والحياتية، كنت أصطدم بنظرتها العابسة أينما حللت: في مدخل المدرسة، في غرفة الصف. على الجدار فوق رأس المدير…، لا أعرف لماذا لم أحبّها، كنت أشعر بأنها تراقبني؛ حتى وأنا أكتب فروضي المدرسية.

علّمونا أنها صورة “الأب القائد”، لكنها لا تشبه صورة أبي، ونظرته الحنونة، أمي لم تمطرني بقبلها الدافئة من أجلها، بل كنت ألاحظ صمتها الخشبي، كلما طالعتها على كراريسي في أثناء حلّ فروضي المدرسية، لم أجرؤ بحدسي الطفولي سؤال أمي عنها، وهي لم تبح لي بشيء، لكأن الخوف والتواطؤ الضمني بيننا هو: الجواب.

لم أكره تلك الصورة فحسب، بل كرهت معها: النشيد الصباحي، وترديد الشعار، ولباس المدرسة العسكري؛ ذلك اللون الموّحد الذي لم يفارقني، أو يفارق جيلي. لونٌ طمس أذواقنا، وألواننا، وأرواحنا، وحوّلنا إلى دمى تردّد كلمات جوفاء، ليس لها علاقة بأي لون من ألوان المشاعر، سوى لون: الخوف.

تعرّفت بعد سنوات على وجه آخر لوالدي، غير وجهه في الصورة. كان رجلًا بمنكبين عريضين، وابتسامة ساحرة. يقف شاحب الوجه خلف شبك معدني أسود، وأنا وأمي نقف خلف شبك ثان مواجه، يفصل بينهما فراغ. أذكر أنه مدّ يده مرّةً بأقصى ما يستطيع من بين قضبان الشبك، ومددت يدي الصغيرة بأقصى ما أستطيع، إلى أن لامست أطراف أصابعي، أطراف أصابعه، فشعرت بدفء يسري في جسدي، ملأني غبطةً، وشعورًا سرّيًا بالانتصار، لكنني لم أفهم -إذ ذاك- لماذا اغرورقت عينا أمي بالدموع، واحتقن وجه والدي؛ فانكفأت على نفسي، لائذًا بالحيرة والصمت.

مضت ثمانية عشر عامًا، وأنا أعيش مع أمي وحيدًا، أصبحت رجلها الصغير، الذي يضيق ذرعًا بأحزانها وقلقها، كان توترها يتزايد كلما اقترب موعد زيارة والدي في السجن، تغرق في الترقّب، وتفاصيل التحضيرات. تغوص في حسابات الميزانية الضيقة. تؤجل شراء بعض الحاجات الأساسية، تضغط النفقات من هنا وهناك؛ كي توفر بعض المال لشراء أغراض الزيارة. صرت ألاحظ وطأة ذلك على والدي؛ إذ لطالما سألها: كيف تدبرين أمورك؟! وفي كل مرة كانت تطمئنه: أوضاعنا بخير. لا تقلق.

لاحظت مع الزمن ذبول وجه أمي، وشحوبها الدائم، لكأنها شاخت قبل أوانها، أدركتُ -متأخرًا- أن المرأة مثل الوردة، تذبل في غياب رجلها.

كنت على أبواب سنتي الجامعية الأولى، حينما أُخلي سبيل والدي، ثمانية عشر عامًا مضت على اعتقاله، هي عمري كله، لم تتسع الدنيا لأفراح وسعادة أمي بعد سنوات الألم والمكابدة والانتظار. لكن لا أعرف لماذا راودني ذلك الشعور الغريب، المتناقض: لم أفرح كما ينبغي لإطلاق سراح والدي، دهُشت لبرودة مشاعري. لم أعرف -في الحقيقة- سببًا منطقيًا لتلك المشاعر الحيادية التي استحوذت عليّ؛ إذ ثمة أسئلة كثيرة راودتني، وشغلت تفكيري: كيف يمكن لهذا الرجل القريب – الغريب أن يدخل حياتنا أنا ووالدتي، ويعيش معنا تحت سقف واحد؟!

لم أستطع في الحقيقة تخيّل الحالة الجديدة لحياتنا بوجوده.

كيف سأعتاد وجوده بعد كل تلك السنوات؟!

كيف سأتعامل معه، ويتعامل معي؟!

هل ستنشغل به أمي عني؟!

كنت أحاول طرد تلك الأسئلة التي عذبتني من ذهني، لكنها كانت تعاودني، وتلحّ عليّ، على الرغم من تأنيب الضمير، الذي بات يلاحقني كظلي!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق