أدب وفنون

مَقَامَةُ: القَول الفَصل في قضيّة البَغل

فلمّا كان آرامُ السوريّ يتمشّى في بيزنطة؛ مِشيَةَ المُهاجِرينَ لا الأنصار؛ ومن حولِهِ ما يَخلِبُ اللُبَّ ويَخطِفُ الأبصار؛ أخذَ يُغنِّي لنفسهِ دون سواه:

“القريب منَّك عنيف؛ والبعيد عنَّك عنيف” !!.

فاكتشفَ كم هي قِطَطُ بيزنطةً وادِعَةٌ؛ تتمشّى مثله؛ ولكن على مهلٍ؛ بغُنجٍ رهيف؛ ويتفادَى الناسُ إزعاجَهَا؛ يُغيّرونَ مَسَارَهُم من يسارِ الرصيف إلى يمينِهِ؛ إذا خَطَرَ لها أن تتوقفَ فجأةً؛ أو تتريّث؛ وكذا يفعلونَ مع الكلاب؛ ولا يكاد مدخل بناءٍ يخلو من وعاءين؛ أولهما للماء وثانيهما لغذاء مخصّصٍ لقطّة إستانبول كما يُسمُّونهَا؛ أو لكلاب بيزنطة.

فأدركَ آرامُ لتوِّهِ؛ بأنّه قد مارَسَ العُنفَ على أغنيةِ نجاة صغيرة؛ اللطيفة الرهيفة: القريب منّك بعيد والبعيد عنّك قريب؛ فحوَّلها إلى أهزوجةٍ؛ تَصلُحُ فقط؛ لميليشياتِ منظمةِ “كوكلاس كلان”.

ثمّ انقطعت سلسلةُ تداعياتِ آرامَ؛ حين ضَحِكَ اصطيف؛ مُلتفِتًا إليه:

– لو كانت هذه القطط في شوارعنا؛ لاختبأت بمُجرَّد مرورنا؛ تحتَ أقربِ سيّارة.

فسأله آرام:

– ولماذا برأيك؟

رَدَّ اصطيف:

– ربما لأننا شعبٌ عنيف؛ فلطالما رأيتُ أطفالًا يرمون الكلابَ بالحجارة؛ وبعضهم يقطعُ أذنابَ القِطَط؛ أو يشتِرُ لها أُذنيها.

قال آرام:

– ليس هناك شعبٌ عنيفٌ بكامله؛ وليس هناك شعبٌ لطيفٌ بأكمله؛ هناك فقط؛ نظامٌ عنيفٌ يُولِّدُ العُنفَ ويبثٌّه في نُفوسِ الرعيَّة؛ سواءَ كان عُنفًا مكتومًا؛ مسكوتًا عنهُ؛ أو علنيًّا.

فسأله اصطيف:

– وهل الثورة على النظامِ العنيف.. عُنفٌ أيضًا؟!.

قال آرام: – بلى؛ إذا استعمَلت أساليبَ النظامِ الذي تثورُ عليه؛ فلطالما تحوَّلَ المظلومونَ إلى ظالمينَ جُددًا؛ إذا استجابوا للعُنف في دواخلِهم؛ ثمّ أعادوا إنتاجَهُ من جديد.

علّق اسطيف:

– على مهلك يا رجل؛ لستُ فيلسوفًا لأفهمَ عليكَ كلَّ ما تقوله.

فضحكَ آرام:

– ولستُ من فلاسفة بيزنطةَ؛ الذين كانوا يُحاجِجُ بعضُهُم بعضًا؛ في أولويَّة البيضة على الدجاجة؛ أم في أولويِّةِ الدجاجة على البيضِ كلّه؛ بينما مدينتهم تنهارُ وتُدَكٌّ أسوارُهُا.

قال اصطيف:

– كأنك تٌشَبِّهُ الدجاجةَ التي تبيضُ العُنفَ بالنظام؛ مع أنّ الديكَ أولَى بالتشبيه؛ فلطالما كانت الأنظمة ذكوريةً على الدوام.

ضحك آرام: – سوى الأمازونيَّات؛ فقد أرسَينَ نظامًا لا وجودَ للذِكورِ فيه؛ سوى في مَوَاسِمِ التناسُلِ؛ ثمّ يُطرَدُ الصبيُّ خارجَ مملكتهنّ ما أن يَبلُغَ؛ وتبقى الفتيات فقط.

ردّ اصطيف حانقًا: – هذا عُنفٌ أيضًا؛ فدعنا من الأساطير؛ ولنَعُد إلى الحكايات.

قال آرامُ السوريّ: – فاسمع حكاية البغل؛ إذًا.

ثم جلسا على شاطئ البوسفور؛ فتابع آرامُ حكايتَه:

– تصوّر أن رئيسًا لنظامٍ استبدادي قد نَهَرَ أحدَ وزرائِهِ حتى عَنَّفَهُ؛ فماذا سيفعل الوزير إذا رأى مديرًا لديه؟

ردّ اسطيف:

– سيُعنِّفُه بضُعفَي ما عَنّفَهُ الرئيس.

فتابع أرام:

– وسيُعنِّفُ المديرُ الموظفَ لديه بثلاثة أضعاف ما عَنّفَهُ وزيرُه؛ والموظفُ سيُعنِّفُ المواطنَ بخمسة أضعاف؛ فإذا كان الموظفُ عُنصرَ مخابراتٍ؛ ستكون جُرعَةً عُنفِهِ بعشرةِ أضعاف؛ مادامَ مَعفِيًا من المُساءَلةِ القضائية.

سأل اصطيف:

– والمواطنُ؛ ماذا سيفعل؟!.

ردّ آرام:

– سيذهبُ إلى بيته فيُعَنِّفَ زوجتَه؛ والزوجةُ ابنَهَا؛ والابنُ الذَكَرُ أختَهُ الأنثى؛ فتخطِفُ الأختُ عصا المسَّاحة؛ وتظلُّ تضرِبُ البغلَ حتى يبرُدَ دَمُهَا المقهور.

فسأله اصطيف:

– والبغلُ؛ ماذا سيفعل؟!.

قال آرام:

– سيتلوّى تحت الضربِ من الألم؛ ثم يقطعُ الرَسَنَ مُعنطِزًا؛ حتى إذا ظَنَّ بأنه قد نجا؛ أخذ يرفسُ كلّ أحدٍ وأيَّ أحد؛ وأكثرُهُم لم يكونوا قد ضربوه.

عَلّقَ اصطيف:

– الأجدى أن يذهبَ إلى الرأس الأكبر فيرفُسَه.

فتنهّد آرام السوريّ:

– لطالما صارَ مثلُ هذا البَغلُ/ النَغلُ طاغيةً جديدًا؛ لا يختلفُ في شيءٍ؛ عن النَغل/ البَغل الذي سبَقَه!!.

 

*- من سلسلة: مقامات آرام السوري

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق