تحقيقات وتقارير سياسية

الحج من جمهورية “مجمع الرسول الأعظم” إلى الكرب والبلاء

بينما تنشر إيران على الطريق الواصل بين مدينتي النجف وكربلاء في العراق صورًا لنحو “ثلاثة آلاف” قتيل من قواتها، إضافة إلى صور قتلى ميليشياتها الأفغانية والباكستانية والعراقية، ممن سقطوا في سورية، تغادر من “مجمع الرسول الأعظم” في محافظة اللاذقية مجموعات من أهالي قتلى النظام إلى مدينة كربلاء للمشاركة فيما يطلق عليه “أربعينية الحسين” في خطوة هي الأولى من نوعها بحسب وصف قناة العالم الإيرانية.

ميليشيا “الباسيج” التي علقت صور من أسمتهم “مدافعي الحرم” الثلاثة آلاف الذين سقطوا في سورية على طريق كربلاء والنجف، قالت في بيان لها: “إن هذا هو تذكار ليراه آلاف الزوار الذين يمشون على الأقدام في أيام (الأربعين الحسينية)”، فيما يقول المشرف على رحلة الحج من مجمع الرسول الأعظم في اللاذقية: “إن حملة الحج  تمشي من سورية التي شهدت بدمائها على حب الوطن عشرات الكيلومترات، حاملة آلامها وأحزانها، وحاملة دماء الشهداء وألم ومصاب زينب إلى سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين من النجف إلى كربلاء”.

رحلة حج أهالي “قتلى النظام إلى كربلاء موّلها “مجمع الرسول الأعظم” الذي بنته إيران في اللاذقية قبل الثورة السورية، على مساحة أربعة آلاف متر مربع، أخذت من الوقف السني، في حي الأزهر في اللاذقية، وعينت إمامًا ومشرفًا عليه هو الشيخ أيمن زيتون ابن الفوعة، الذي درس في قم وتخرج منها، فيما قوات “الباسيج” أو بحسب الترجمة الفارسية “قوات تعبئة الفقراء والمستضعفين”  كان أسسها الخميني، وهي لم تعد تعمل في إيران فحسب، بل توسع نطاق عملها ليشمل العراق وسورية، تماشيًا مع شعار تصدير الثورة الإيرانية، وهي تتبع مجلس اتخاذ القرار، الذي يأتمر بأوامر المرشد خامنئي، ويرأسه رحيم صفوي، ويضم قاسم سليماني ومحمد علي جعفري ومحسن رضائي ومحمد رضا نقدي قائد قوات “الباسيج”.

ليست رحلة الحج هي الفعالية الوحيدة التي ينظمها “مجمع الرسول الأعظم”، فهذا المجمع  يمكن وصفه بأنه أقرب إلى جمهورية مستقلة تمتلك مقومات وجودها ضمن الساحل السوري خصوصًا، فمقره الرئيس يتوسط بانياس وطرطوس جنوبًا، ومحافظة إدلب شمالًا، ويحتوي على دوائر إعلامية وثقافية وصحية وكشفية ومدارس ثانوية رسمية ومعاهد شرعية ومكتبات، وإذاعة تبث عبر الإنترنت، فضلًا عن امتلاكه لما يعرف بـ “هيئة كفالة أبناء الشهداء” و”هيئات نسائية عليا” ومعهدًا “للتطوير والتأهيل” وكشّافة خاصة به تدعى “كشافة الولاء” ثم مكتبًا للطوارئ والجرحى ومكتبات حملت اسم المجمّع ذاته، ورابطة للخريجين، ومكتبًا إعلاميًا مستقلًا، ومكتبًا إداريًا وماليًا، وقسمًا خاصًا بالمعلوماتية، ورابطة خاصة تدعى “المهدي”، وإلى المجمع تنتسب ما تثعرف بـ “دار المحجّة للثقافة والتنمية” في محافظة طرطوس.

يؤكد الأهالي و”مصادر صحفية” متابعة، أن المجمع أنشئ ليكون ذراع  إيران في الساحل، عبر خط جغرافي عادة ما يُشير إليه بعضهم بـ “سورية المفيدة”، من أقصى الشمال والشمال الغربي، إلى أقصى الجنوب، متجاوزًا محافظات الساحل، وصولًا إلى البرّ الحمصي في وسط البلاد. وللمجمع استراتيجية معلنة ومنشورة على موقعه الرسمي على شبكة الإنترنت، وعلى صفحته الفيسبوكية، ومنها أن مدارسه من ثانويات وغيرها تعمل على نشر العلوم الشرعية على مذهب آهل البيت. كما يرد في تعريفه الرسمي للهدف من ثانوياته التي تتوزع الساحل السوري من اللاذقية إلى القرداحة وجوارها؛ وصولًا إلى قرى “جبلة”. وكذلك الهدف مما يُعرف لديه بالهيئات النسائية العليا، فيحدد الهدف من تلك الهيئات، بما يتفق مع الهدف من ثانوياته التعليمية، تمامًا.

وتقول عهد فاضل في تقرير لها، أنه على الرغم من الدور الذي سبق ولعبه شقيق رئيس النظام السابق حافظ الأسد جميل الأسد “بتمكين إيران من التغلغل في الساحل السوري، وأجزاء من سورية، عبر جمعيته الدينية التي أقفلت فيما بعد، إلا أن مجمّع (الرسول الأعظم) في اللاذقية الساحلية السورية، مسقط رأس رئيس النظام السوري بشار الأسد، عزّز من نفوذ إيران في الساحل، وبتعاون وثيق مع الأسد مباشرة وعبر مراسيم جمهورية سمحت لها بإنشاء ثانويات تعليمية في قرى الساحل السوري”.

في ما يتعلق بـ “الباسيج”، فهي مليشيا عقائدية مسلحة، تضم ملايين المتطوعين، وممولة مباشرة من الدولة، وتُعد من الكيانات الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية والأمنية والمجتمعية في إيران، كما تُعدّ أداة عسكرية لحماية مصالح نظامها السياسي داخليًا وخارجيًا، وتدخلت قوات الباسيج لحماية المصالح الإيرانية في العراق بذريعة “حماية الأماكن المقدسة”، وشاركت في “مهمات استشارية” للجيش العراقي، وخاضت معه معارك متعددة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة بعد سقوط الموصل، وفي معركة الفلوجة عام 2016 التي قـُتل فيها القائد السابق لـ “كتائب عاشوراء” في “الباسيج”، علي رضا بابايي.

وفي دلالة على عمق وتعدد الأدوار الخارجية الموكلة إلى هذه القوات؛ قال المرشد الأعلى للثورة، خامنئي، يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، خلال لقائه قادة ومسؤولين في الباسيج: إن إيران “أصبحت غير قابلة للهزيمة؛ بسبب وجود الفكر والعمل “الباسيجي” الذي وصل إلى العراق وسورية ولبنان وغزة، وسيصل إلى القدس المحتلة قريبًا، بحسب تقرير لقناة الجزيرة.

وتنقل وكالة الأنباء الطلابية الإيرانية مطلع عام 2014 عن قائد قوات “الباسيج” الجنرال محمد رضا نقدي قوله: إن بلاده تعتزم إنشاء وحدات لمنظمته في الأردن ومصر، بعدما خاضت تجربة تشكيلها في فلسطين ولبنان، وإن “تزايد مكونات الهيمنة الإيرانية في المنطقة يتزامن مع انحسار الهيمنة الأميركية فيها، منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979”.

ويقول الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني- أواخر عام 2014- بمناسبة الذكرى الـ 35 لتأسيس الباسيج: إن “فكر الباسيج ينتشر في أنحاء العالم الإسلامي، وجماعات المقاومة في فلسطين ولبنان، بما يتماشى مع الإستراتيجية الإيرانية”.

وطبقا لما أورده الأستاذ الجامعي الأسبق في جامعة طهران، الدكتور سعيد جولكار، في كتابه “مجتمع أسير: مليشيا الباسيج ونظام السيطرة الاجتماعية في إيران”، فإن معظم المنتسبين إلى قوات الباسيج هم “من أبناء الريف الفقير الذين وجدوا فيها مصدرًا لامتيازات حُرموا منها، وأسهل طريقة للحصول على دخل ثابت، والانتساب إلى الجامعة بسهولة فائقة”.

يؤكد متطوعو مليشيات الباسيج في كل مناسبة تسنح لهم ولاءَهم للمرشد الأعلى للثورة، وينددون على الدوام بأعداء الثورة في الداخل والخارج، وهو ما يؤشر إلى طبيعة الأهداف والمهمات الموكلة إليهم، إنها حماية نظام الثورة، والتصدي لكل ما ينال من هيبته، داخليًا وخارجيًا.

وأرسلت إيران الآلاف من قوات “الباسيج” إلى سورية؛ حيث قـُتل عديد من عناصرها، ضمن أبرز العسكريين الإيرانيين القتلى في سورية الذين كانوا يقدمون الدعم العسكري لنظام بشار الأسد، في إثر اندلاع الثورة السورية منتصف آذار/ مارس 2011، وقاتلوا معه الفصائل السورية المسلحة، جنبًا إلى جنب، مع مليشيات شيعية أخرى، أبرزها حزب الله اللبناني.

ويشير باحثون إلى أن قوات “الباسيج” ليست سوى نسخة مطورة من الحزب الذي أسسه شاه إيران، محمد رضا بهلوي، وسماه “راستاخيز” (يعني البعث أو النهضة)، وأراده قاعدة شعبية مكينة؛ لحماية نظلم حكمه، والتغلغل في مفاصل المجتمع. لكن الخميني أنجز العمل الذي حاوله الشاه بطريقة أكثر ذكاء، إذ ما ميز قوات الباسيج هو أنها جاءت مرتبطة ارتباطًا عضويًا بجسم الجيش الإيراني الذي تألف من الحرس الثوري الإيراني، وكتائب الحرس الثوري الإسلامية، وهي جميعها من الكوادر المدربة قتاليًا وعسكريًا، وكانت وكالة «فارس» والموقع الرسمي لقوات التعبئة نشرتا، في تموز/ يوليو العام الماضي، صورًا لقائد قوات الباسيج، العميد محمد رضا نقدي، وهو يتفقد المواقع العسكرية في منطقة القنيطرة الواقعة قرب هضبة الجولان.

“الباسيج” الذي يرعى ويحمي مناطق  ومؤسسات نفوذ إيران في سورية، ومنها مجمع الرسول الأعظم ومستوطنات السيدة زينبت، والسيدة رقية، والسيدة سكينة وغيرها، يتغلغل في المجتمع السوري تنظيمًا عقائديًا، ولا ينفك عن استخدام السوريين الموالين، ومعظمهم من المناطق الفقيرة، وقودًا لمعركته ضد السوريين المطالبين بالحرية، فيما يعمل من خلال رجال أعمال سوريين، ومنهم رئيس مجمع الرسول الأعظم، أيمن زيتون، وأولاد الشيخ غزال، على إقامة شبكة كبيرة من العقارات الإيرانية في الساحل، من خلال استثمارات في أماكن العبادات الدينية والحسينيات، وفي تجارة العقارات، وخلق بيئة استثمارية لإيران في اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، بعد أن ساهمت في شراء كثير من ضباط وشخصيات الساحل.

وينشط مجمع الرسول الأعظم الذي يرعاه “الباسيج”، في بيئة الساحل التي لا تنتمي عقائديًا إلى المذهب الشيعي، حيث يعمل المجمّع على اجتذاب شبان وشابات من القرى والمناطق المحيطة باللاذقية، ومنها مدينة القرداحة وجبلة وغيرها، لتلقينهم التعليم الديني الذي يعكس استراتيجية إيران التوسعية، وإمساكها بالساحل السوري، عبر توزيع مدارسها ومعاهدها وكشافتها، ما بين طرطوس واللاذقية وجبلة.

ويشرف الباسيج على تنظيم رحلات الحج الدينية في كل من سورية والعراق، ومنها حملة (أبي الفضل العباس)، التي تُنظّم الرحلات الدينية القادمة من العراق إلى سورية، خصوصًا في في أحياء دمشق القديمة، وصولًا إلى الجامع الأموي ومقام السيدة رقية المجاور، حيث توجد الحملة في دمشق هذه الأيام، ومنبر الإمام زين العابدين، وموضع رأس الصحابي الحسين بن علي، ومقبرة الفواطم، ومقام النبي يحيى بن زكريا، حيث تترافق مع الحملة أناشيد مديح ودعوات للحشد الشعبي العراقي الذي وصفوه بـ “المقدس”، و”المقاومة الإسلامية والمدافعين عن الأماكن المقدسة وجيش النظام”.

بينما ترسم إيران نفوذها عبر الطريق البري الواصل من عاصمتها إلى الساحل السوري، مرورًا بالعراق، من خلال رحلات الحجيج التي لم تتوقف، يدفع العرب من دمائهم ثمن هذا الاحتلال، فمراسم المظلومين مازالت تُقام على أرض الشام، التي يحق لها أن تقول: “الموت ولا المذلة”، وهو الشعار الذي بدأت به الثورة السورية، وهو -في الحقيقة- يتشابه مع الشعار الذي أطلقه الحسين (هيهات منا الذلة)، بيد أن “الخمينية الفارسية” استحوذت -في توظيفها العقائدي- استحواذًا لصوصيًا على الكيان العربي، فإن يسطو اللص على إنسانيتك وعقلك، ويمثل دورك كضحية، تلك هي القضية.

طريق الحج الإيراني وهو الممر البري الاقتصادي لإيران، يُرسم الآن على جثث الضحايا العرب، بالتواطؤ والتآمر مع بائعي البلاد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام، الذي بدأ منذ وصول رئيسه الابن إلى الحكم بعملية عرض البلاد للبيع علنًا، من خلال مستثمرين، وعلى رأسهم مسؤول الاقتصاد الأول في سورية، رامي مخلوف، هذا السلوك هو استراتيجيته للبقاء في الحكم منذ أن باع النظام الجولان، فليس لديه أي شيء في البلاد غير قابل للبيع؛ فحتى أولئك الذين تفانوا في خدمته، من أمثال أصف شوكت صهرَه، ووزير الدفاع، وضباطَ خلية الأزمة، وجامع جامع، ورستم غزالة، ورجل الدين البوطي وغيرهم.

قتلى النظام الذين يحشدهم في حربه الرهيبة ضد أبناء وطنهم، ويعودون بنعوش يُمنع فتحها وملفوفين بعلم الميليشيات التي استباحت البلاد والعباد، يتكفل لذويهم بتعويضهم بعنزة أو ساعة حائط، أو حتى علبة متّة، مترافقة مع النشيد الوطني وشعارات فارغة، في حين تقوم إيران بحشدهم باتجاه كربلاء؛ لتنفيس احتقانهم وغسل عقولهم المسكينة، بغية استلاب ما تبقّى من انتماء وطني لديهم وتجييره لمصلحة “الخمينية الفارسية” في حربها المجنونة ضد العرب، التي أصبحت بلادهم نتيجة لحقدها وطمعها كلها “كرب وبلاء”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق