ترجمات

ساعة الحقيقة لترامب في الشرق الأوسط

 

00

الصورة: دونالد ترامب في مؤتمر لجنة العلاقات العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة، في شهر آذار/ مارس 2016.

 

لقد فاجأ دونالد ترامب العالم بأجمعه بانتخابه رئيسًا للولايات المتّحدة. سيكون لزامًا عليه، منذ الآن، أن يفاجأ نفسه بنفسه إن أراد أن يدير -بشكل لا يجلب إلا مقدارًا أدني من الشرّ على بلاده- تعقيد علاقات القوّة في الشرق الأوسط.

 

عقيدة وحيدة، القبضة الحديديّة

خلافًا لجورج دبليو بوش، لا يمتلك ترامب أي جسم عقيدي بالنسبة إلى المنطقة، فلا وجود لـ “محافظين جدد” يعظون بالخلاص الديمقراطي على أنقاض الاستبداد العربي، كما أنّه لا يمتلك أي رؤية تنتظم حول قطب للتحالفات أيًّا كان. لا، لا شيء من هذا القبيل، فيما عدا التعبير غير المشروط، وغير المسبوق عن عنصريّة معادية للمسلمين (ومعادية للعرب). ولكنّ ذلك لم يثنِ بعض المستبدّين المسلمين من تقدمة أحرّ التهاني للساكن الجديد للبيت الأبيض؛ فهم ينتظرون منه، قبل كل شيء، بأن يساعدهم في عمليّة قمع “أعدائهم الداخليّين”، فالرئيس التركي إردوغان مهووس بمنافسه (وناصحه السابق) فتح الله غولن، ويأمل في أن تقوم الإدراة الجديدة بتسليمه لتركيّا من بنسلفانيا، أمّا بالنسبة إلى الرئيس المصري السيسي، فقد بدأ بالابتهاج مسبقًا عندما قام فريق ترامب، خلال حملته الانتخابيّة، بدعم تصفية الإخوان المسلمين.

سيكتشف هؤلاء القادة، في وقت سيكون متأخر بالنسبة إليهم، بأنّ معارضات حكمهم لم تكن تُدار عن بعد ولا حتّى تُشجّع من جانب واشنطن، وبأنّه سيكون عليهم أن يتدبّروا أمورهم بأنفسهم، وذلك عن طريق إعطاء الامتياز، من دون شك، لاستخدام القوّة الغاشمة، كما هو الحال في يومنا هذا. لن يؤدّي ذلك إلّا إلى التأثير على شهر العسل الجديد مع إدارة ترامب، وسيثير، بالمقابل، موجة عداء متجدّدة ضدّ الولايات المتّحدة.

 

خيار بديل، صعب التدبير

لنراهن بأنّه، في هذه اللحظة بالذات، قد تشكّلت مسبقًا لدى ترامب مشاكل أخرى مختلفة في الشرق الأوسط، بدءًا من اثنين من تعهّدات حملته الانتخابيّة، واللذين سيكون من الصعب الوفاء بهما، واللذين تمّ طرحهما في محاولة لاستمالة أولئك المعادين لأوباما بشكل هيستيري: فمن جهة، الوعد بنقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس، المدينة التي لم تنقل إليها أي دولة، إلى يومنا هذا، سفارتها. ومن جهةٍ أخرى، مراجعة الاتّفاق النووي الإيراني، والذي لم يتوقّف المرشّح ترامب عن شتمه.

في إسرائيل نفسها، وبعيدًا عن النشوة الظاهرة في الواجهة، تُعدّ إشارات الاستفهام حول وعد ترامب، منذ الآن حقيقيّة وجديّة؛ ويعود ذلك إلى حقيقة أنّه سيكون من الصعب جدًّا على ترامب (بفرض أنّه يريد أن يحترم واحدًا من وعدَيه على الأقل) تنفيذ أيٍّ منهما من دون أن يؤجّل الآخر إلى أجل غير مسمّى، ففي حالة القدس، سيقوم بتنفير، من بين دول عديدة أخرى، كلًا من المملكة العربيّة السعوديّة وإمارات الخليج، والتي سيكون في إمكانه، بكلّ تأكيد، إرضاؤها في حالة وفائه بوعده الثاني (المتعلّق بالاتّفاق النووي)، ولكن سيكون ذلك بثمن الذهاب إلى المجهول الذي ستسبّبه المواجهة، الدبلوماسيّة على الأقل، مع إيران.

 

التهديد الجهادي

يبدو أنّ دونالد ترامب، وفي ملفّ واحد على الأقل في الشرق الأوسط، متماسكٌ وقادرٌ على التوفيق بين تعهّداته وأفعاله: التصالح مع نظام الأسد، والشراكة المبتكرة مع فلاديمير بوتين، كلّ ما سبق تحت عنوان الصراع المفترض والمشترك ضدّ داعش. ولكن، هنا أيضًا، يثبت احتفال الجهاديّين بانتخاب ترامب، إلى أي درجة ستؤدّي إعادة الاصطفاف في مصلحة الأسد إلى تهديدات ثقيلة النوع ضدّ أميركا نفسها.

في إمكاننا أن نشعر بأنّ هذا التوجّه سيدفع الإدارة الجديدة، وبما سيشكّل بالمناسبة امتدادًا للسياسية التي اتّبعها أوباما، إلى ترك يد روسيا حرّة في حلب؛ بهدف تركيز الإدارة على الهجوم الأميركي على الموصل، حتّى ولو بدا أنّ إعادة احتلال الموصل أقلّ مشقّة –حاليًّا- من اليالطا الشرق الأوسطيّة، والتي تهمل بشكل كامل مسألة الرقة، على الرغم من حقيقة أنّ داعش مستمرّة، من قلب تلك المدينة، في التخطيط والإيحاء لهجماتها الإرهابيّة في أوروبّا، كما في الولايات المتّحدة.

لن يكون التحكيم في أيّ من تلك القضايا سهلًا بالنسبة إلى البيت الأبيض، حتّى لو تمّ وضع “مصلحة أميركا” كهدف وحيد وحصري، حيث يتطلّب كلّ من تلك القضايا تحقيق توازن دقيق وحسّاس بين المنافع والمساوئ، وذلك على المدى القصير، كما على المديين المتوسّط والبعيد. لدينا الحريّة لنتخيّل بأنّ رجل أعمال حكيم، كالرئيس المنتخب، سيمتاز بممارسة تمرين كهذا، وبأيّ حال، فإنّ مرور الوقت يشكّل عامل ضغط  في الشرق الأوسط القابل للانفجار، بالمعنى الحرفي للكلمة.

قد تدقّ ساعة الحقيقة بشكلٍ سريعٍ جدًّا، بدءًا من ربيع عام 2017.

ستكون هذه المرّة الأولى والأخيرة التي أشفق فيها على دونالد ترامب.

 

 

 

اسم المقالة الأصليL’heure de vérité pour Trump au Moyen-Orient
الكاتب*Jean-Pierre Filiu- جان بيير فيليو
مكان النشر وتاريخهLe Monde Blog, مدونة جريدة اللوموند

تشرين الثاني/ نوفمبر 201613

رابط المقالةhttp://filiu.blog.lemonde.fr/2016/11/13/lheure-de-verite-pour-trump-au-moyen-orient/
المترجمأنس عيسى

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق