مقالات الرأي

الطالبات وواقعنا المتأخر

تكرّرت الإجابة ذاتُها: أرجو أن تُعطي أهالينا هذه الدروس. كانت الحوارات تدور حول أشكال الغبن والتمييز ومسألة الحقوق، انطلاقًا من المساواة الكاملة. هذه الإجابة كانت لأغلبية الطالبات من الصف العاشر والحادي عشر والثاني عشر (البكالوريا)، ولقرابة عقد من السنين، وفي أكثر من مدينة علّمتُ فيها، وفي بيئات اجتماعية أديانها وطبقاتها وقومياتها مختلفة. ترافق ذلك أراء تُبرر التمييز باسم المجتمع، أو الدين، أو الأسرة ذاتها، وكان للأمهات دورٌ مركزيٌ في العنف والتضييق، وهنَّ أشدّ تقييدًا من الرجل عليهن.

حديث المساواة هذا، كان يُنقل إلى الأسر، ونتيجته يأتي كثير من الأباء أو الأمهات إلى المدارس للسؤال عمّا يجري في المدرسة، والتهديد بأن شكاوىً ستُرفع إلى الوزارة، وأنهم أحرار في ممارسة كل أشكال التمييز ضد بناتهم، بل وتزويجهن وهنّ قاصرات، “بناتنا ونحنا أحرار فيهن، ونحب الزواج المُبكر”؛ وعلى الرغم من أنني كنت آتي بنصوص وفقرات من مادة الفلسفة التي كنت أدرّسها، وتتحدث عن المساواة ومشكلات المجتمع وتأثيرها في الأسرة والتنمية، والمنافسة بين الأمم، ولكن كل ذلك عبث في عبث. الأنكى أن الإداريين، ويأتي -في هذا الإطار- كل أصحاب المناصب في وزارة التعليم، والأغلبية الساحقة من الكادر التعليمي، يقرّون ما يقوله المجتمع، ويؤكّدون أن أفكاري، وأفكار من يشبهني من نساء ورجال (التحررية و”المساواتية”)، لا تصلح لمجتمعاتنا، ويُفضل الامتناع عن إدخال ” الشياطين” إلى رؤوس الصغيرات وإفسادهن.

سمعت عشرات القصص من أصدقاء “مساواتيين” وتحررين، ومن أكثر من مدينة، الحكاية ذاتها، والنتيجة ذاتها، إخفاقنا في إحداث أيِّ تغييرٍ جديٍّ، ولكن ربما تستقر في عقول بعض الطالبات أفكارُنا تلك، وأكثر من ذلك وهم في وهم.

إذن؛ هناك رسوخ في مسألة التمييز، والمرأة ومن أي طبقة أو ديانة أو قومية مضطهدة؛ هذا التمييز بسبب طبيعية المجتمعات الطبقية الذكورية، حيث السلطة والمال والنساء للرجل، والتفاوتُ النسبي في التمييز لا يلغي أنه القاعدة الأساسية في العلاقة مع المرأة، ليس في مجتمعاتنا فحسب، بل في كل المجتمعات الطبقية كذلك.

في النقاش عن سبب التمييز، هناك مسألة تاريخية مرتبطة بموروث اجتماعي من العصور الوسطى، حيث السيطرة الكاملة لقيم الذكورة والدين والتقاليد التمييزية، ولكنه يعاد إنتاجها؛ بسبب طبيعة الأنظمة الحاكمة، وهي معاداة قيم المساواة والتحرر، في لحظتنا الحاضرة؛ فالمجتمع -في نهاية الأمر- يتشكلُ وفقًا للسياسات العامة للدولة الحالية، وهي التي تثبتُ مسائل معينة، أو تُذللها وتُغيرُها، وتأتي بجديدٍ وتعممه، وهي منظومة القيم المستندة إلى مفاهيم المواطنة، ولاحقًا حقوق الإنسان، وبتتالي السنون يصبح هو الجديد والسائد. وبالمثل؛ هي التي تشجع ميولًا مجتمعية محافظة أو عنصرية أو طائفية، وسوى ذلك. إذن؛ الدولة السورية، وتحديدًا في سبعينيات القرن الماضي، لم تتبنَ رؤية ثورية “مساواتية”، وتحررية إزاء المرأة، وساهمت في تجديد التمييز القديم، ورفده بأشكال جديدة منه، ويما يؤبد سيطرة السلطة والذكور على المرأة.

الدولة السورية هذه، وعلى الرغم من الحديث عن سيطرة الرؤية القومية “العلمانية” على توجهاتها، أي دستورها وقوانينها ومؤسسة التعليم، وسوى ذلك، فإنها لم تُزِل التمييز وأبقته كما هو، بل وحاربت كل الميول الليبرالية والتقدمية عامة، وشجعت الميول المحافظة والدينية، ولتتحدّد وضعية المرأة ضمن منظورٍ مجتمعيٍّ متخلفٍ، أو دينيٍّ مذهبيٍّ، وما خرج عن هذه القاعدة، فهو تيار مجتمعي ضئيل الوجود، وغالبًا ما ينتمي إلى فئات وسطى ومثقفة.

وضعية الطالبات وشعورهن بالعجز الكامل إزاء قيم المجتمع الذكورية والمفروضة عليهن، وبدءًا من المنزل، يدفعهن إلى الانغلاق ضمن جماعات نسائية وطالباتية، ويندر إقامة علاقات منفتحة مع الذكور. لم يتغير هذا الموضوع طوال سنوات الثورة، بل إن دور النساء كان محدودًا؛ حتى في 2011 و2012، ومحددًا بأعمال الإغاثة بأشكالها كلها، ونسبيًا بأعمال التنسيقيات. ومع تعالي العنف الهمجي، أو التسليح في الضفة الأخرى، تراجع دور المرأة تراجعًا كبيرًا، وكادت تعود إلى أسوأ مما كانت عليه قبل 2011. طبعًا في إطار “ممالك” داعش والنصرة والتنظيمات المتشددة، وضع المرأة بالغ السوء، فهي سلعة للزواج، ووفقًا للعمر، وكلما كانت صغيرة كبرَ مهرها، وهي محتجزة في المنزل، وهكذا…

المعارضة “الليبرالية والعلمانية” لم تستطع استيعاب مفهوم المساواة الكاملة ومفاهيم الجنوسة (الجندر)، فظلت مشاركات النساء هامشية في التمثيل السياسي أو في الإعلام، وبالتأكيد لم تنجح محاولات إشراكها في العمل العسكري، والتي كانت محاولات دعائية للقول عن المرأة في مناطق المعارضة أنها مشاركة! وسرعان ما أخفقت، كلامنا -هنا- عن الكتائب التي قيل إنها خاصة بالنساء، ولاحقًا؛ حتى العمل الإغاثي بات من نصيب الرجل كاملًا. التمثيل النسائي في هيئات المعارضة ظل نادرًا، وهو أقرب “للبريستيج”، ولتلميع صورة المعارضة، وضمن مفاهيم الكوتا، وليس ناتجًا عن رؤية “جندرية” و”مساواتية”، تُنهي التمييز التاريخي ضد المرأة، وتعترف بدورها في الثورة وفي الحياة، وأنّها شريكة كاملة الحقوق.

حينما أنهيتُ صِلَتي بالتعليم، وجدت كثيرًا من الدموع تنهمر على وجوه الطالبات، كان الأمر واضحًا لي وضوحًا كاملًا. فهن خسرن وهمًا كُنَّ يستمعنَ إليه، والذي كان يشتُمُ الذكور دون توقف، ورجلًا يُندد بالمجتمع، وبأشكال التمييز التي تلاحق النساء منذ الولادة وإلى الموت. الدموع تلك تقول: إن المرأة محرومةً من جميع حقوق المساواة؛ حقِّها في الإرث، وفي الطلاق وفي إعطاء الجنسية لأولادها ولزوجها، وفي النشاط المجتمعي والسياسي، وينتقل التسلط عليها من الأب إلى الأخ إلى الزوج، وكذلك إلى المجتمع المحيط.

سورية ليست بخير، فالدستور والقوانين تَحرمُ المرأة الحقوق المتساوية، والتعليم لا يحض على المساواة مساواة دقيقة، والأسوأ تعميم الجهل والأمية في السنوات الأخيرة، والتعاطي مع الزواج المبكر، وارتفاع نسبه على أنّه أمرٌ طبيعيٌ. القدرات المجتمعية السورية “التحررية” تكادُ تصبح -في أغلبيتها- خارج البلاد، وهناك حالة فقر شديدة ودمار كبير، وهناك تسييدٌ لقيم الذكورة، والدين والتقليد، وبالتالي؛ هناك تكريس لدونية المرأة، فمكانها المنزل وعملها منجبة للأطفال، ولإمتاع الرجل، وبالتالي؛ واقعنا هذا لم يعد متأخرًا فحسب، بل يُعمل -أيضًا- من أجل ألا يخرج من تأخره ذاك  التأخر هذا حالة مجتمعية على الرغم من تاريخيته، ومرتبط بالدولة والسلطات الحاكمة ارتباطًا رئيسًا، وما دامت الأخيرة لا تعمل وفق رؤىً حداثية و”مساواتية” ومواطنية فإن مستقبل سورية بالغ السوء.

لم يكن هذا هدف الثورة، ولكنه المآل الذي دُفعت إليه سورية؛ وليست الثورة وحدها اغتيلت، بل -كذلك- كل مفاهيم المساواة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق