سورية الآن

فلسطينيو سورية مجردون من أي مظلة سياسية

تعرضت الهوية الوطنية الفلسطينية، أو على الأقل الوعي الجمعي، إلى ضربةٍ قاصمة نتيجة الأحداث المتواصلة في سورية، ولعلّ أكثرها قسوة ما جرى ويجري لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، “عاصمة الشتات الفلسطيني”، كما يلقبه أبناؤه، حيث يعيش المخيم -منذ أكثر من 3 سنوات- على إيقاع الحصار والقصف الذي أتى على نحو 75 بالمئة من أبنيته وبُناه التحتيّة والفوقيّة، إلى جانب هجرة أكثر من 95 بالمئة من سكانه بفعل الأوضاع المأسوية.

ليست هي المرة الأولى التي تتعرض فيها المخيمات الفلسطينية، إلى حرب أو هجوم بهدف تصفيتها وإنهاء وجودها السياسي والاجتماعي، إلا أن الفارق الأكثر إيلامًا أن مخيمات سورية تخوض تجربتها المريرة مجردة من أي عنوان سياسي يمثّل الوزن الحقيقي لتلك المخيمات وموقعها في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، منذ العام 1965 بالتحديد.

لاغد دون أمل في المخيم

لن يتلعثم أي من أبناء المخيمات في سورية في أثناء صوغ وتوصيف معالم الانكسار -إن صح التعبير- عند إجابته عن سؤال عابر من صحافي يحرّكه الفضول، بحثًا عن ملامح للحقيقة، وهنا قد تكون كلمات إحدى الناشطات الفلسطينيات من مخيم اليرموك قبل ما يزيد على أربعة أعوام، الأكثر استنطاقًا للذاكرة والوعي الجمعي الفلسطيني في لحظة الغياب أو الرحيل القسري، حيث قالت آنذاك: ” مخيمي هو مكان لا يتسع للأمل، ولا غد دونه بلا أمل، هو مكاننا القسري، ومنفانا القبيح الذي أحسنا صنعًا في تجميله، وُجدنا فيه قسرًا وتأقلمنا معه لإدراكنا أنه ليس وطنًا، وانتظرنا فيه وطنًا ينتظرنا، ننسج هاهنا حلمًا واحدًا، ونتبادل خيباتنا كما نتبادل تحية الصباح، لكن وجه أمٍ استقبلت رفاة ابنها، بعد 30 عامًا، فرقصت أمام قبره، يُعلّمنا أن للتحدي معان كثيرة، وأواجه واقعي هذا بأمنيةٍ واحدة، لو استطعنا لأعدنا فكّ هذه الخيم الاسمنتية المتحضرة، وأرجعناها لهم، إن أرادوا، واستدرنا عائدين”.

أحد أوجه الخذلان الذي يشعر به اللاجئون الفلسطينيون يأتي أساسًا، من المؤشرات التي تدل بوضوح على أن منظمة التحرير الفلسطينية تبدو من أبرز الأطراف “المرتاحة” لإزاحة ثقل مخيمات الفلسطينيين السوريين عن أي تسوية سياسية مرتقبة في المنطقة التي تمر بمخاضٍ وجودي قد يفضي -وفق عديد المراقبين- إلى إعادة إنتاجها بطريقة مغايرة لما كان قائمًا في السابق بناءً على توازنات سايكس بيكو.

المنظمة التي ابتدأت مواقفها تجاه ما يحدث في سورية عمومًا والفلسطينيين خصوصًا بالصمت التزامًا بمبدأ الحياد على حد تعبير ممثليها، انتقلت أخيرًا إلى محاباة النظام القائم في دمشق، بل وأحيانًا منحته ما يكفي من الذرائع للإيغال في تدمير المخيمات، دون أن تحاول، ولو لمرة، استثمار ما لديها من علاقات إقليمية دولية، لوقف المذابح بحق أبناء المخيمات.

القيادة الفلسطينية إحدى أدوات تصفية المخيم

العلاقة بين المنظمة والنظام لم تعد تعبيرًا عن عجز الأولى عن إحداث أي تغيير في المعادلات السياسية شديدة التعقيد، والتي شاءت خرائط الصراع أن تتقاطع في أحد فصولها داخل أزقة المخيم، بقدر ما هي تعبير عن تحالف مصلحي لسلطة -التهمت حركة التحرر الوطني- وباتت جزءً لا يتجزأ من النظام الرسمي العربي بكل موبقاته، بالتالي فالمنظمة تتحرّك الآن وفق الدور المعطى لها حفاظًا على مصالح وامتيازات شخوصها وقياداتها، وذلك حسب معارضيها.

قد تبدو وجهات نظر المعارضين لنهج المنظمة السياسي غير موضوعية في بعض طروحاتها، لأنها تّغفل مسؤولية بقية الفصائل غير المنضوية تحت قيادة الأولى، كحماس مثلًا التي لم تستثمر ما لديها من علاقات إقليمية تطورت خلال الأعوام الماضية في سبيل إنقاذ فلسطينيي سورية، إذ يشير كثير من ناشطي اليرموك أن جلّ ما فعلته حماس تجلّى في صراع مرير مع فتح، تداخلت فيه عوامل إقليمية، وانتهى بسيطرة “داعش” على المخيم.

انكمشت المنظمة أخيرًا إلى حد كبير على حساب تضخم السلطة المقيّدة بكثير من البروتكولات السياسية التي لا تسمح لها بلعب دور مؤثر في صراع معقد كالصراع في سورية، لكن غير المفهوم هو أن تنسف المنظمة تاريخًا طويلًا ومريرًا من المذابح والمعارك مع النظام القائم في دمشق دفاعًا عما كان يُسمى “القرار الوطني الفلسطيني المستقل” الذي دفعت مخيمات لبنان ثمنه باهظًا، وتسعى اليوم إلى تحالف عضوي مع ذات النظام الساعي إلى تصفية أي وجود سياسي للفلسطينيين.

اليوم لا شيء ينمو في اليرموك، وبقية المخيمات سوى الخذلان، ولن تستطيع معظم العبارات المعلبة عن الصمود والبقاء، تضميد جراح شعب الخيام، أو وضع حدّ للتفكير الذي بدأ حول إيجاد آلياتٍ وأدواتٍ جديدة تستطيع تجاوز حدود الشتات المتجدد، وتعلن بوضوح وفاة المشروع الوطني الفلسطيني بمعالمه التقليدية، وهنا ربما تبقى كلمات شهيد المخيم (حسّان حسّان) الأكثر تعبيرًا عن حقيقة وبساطة أحلام أبناء المخيمات “في المخيم تحب وطنًا لا تعرفه ولم تره وربما والدك أيضًا لم يره، في المخيم ترى فتيةً قُساة الملامح شديدي البأس غلاظ الصوت، في المخيم يمكن أن تقتل أو تُقتل في مشاجرةٍ حول من يقود حلقة الدبكة في العرس، وفي المخيم تدرك أن للأمهات مزايًا عديدة علاوةً على الحنان، والحنان، والحنان، رجولة وشهامة وشراسة وإقدام، في المخيم قصص الحب غالبًا لا تكتمل حيث يسافر الحبيب للعمل وهي لا تنتظر أو تُضطر ألا تنتظر، كل ما أعرفه أن فلسطين هي المخيم، والمخيم قطعة من فلسطين”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق