تحقيقات وتقارير سياسية

البعث والسوريّة المتحرّرة… أسمهان أنموذجًا

حين منع وزير إعلام النظام عرض مسلسل أسمهان في التلفاز الرسمي عام 2008، برّر ذلك بأن أقارب الفنّانة اعترضوا على العمل، على الرغم من تأكيد المنتج حصوله على موافقة ورثة المغنيّة -خطيًا- على إنجاز العمل.

ما اتضح -بعدئذ- من خلال خصوم المسلسل، وأبرزهم “أحد الأقرباء البعيدين لأسمهان، والمرتبط  بأجهزة النظام الأمنية، أنه انبرى، مدفوعًا من تلك الأجهزة، للاحتجاج على العمل، ووصفه بأنه يسيء إلى العائلة وإلى سمعة الراحلة، وهو ما استند إليه الوزير، محسن بلال، لتبرير منع عرض المسلسل، الذي حاز على أعلى نسبة مشاهدة حين عُرض على شاشات عربيّة، تجاوزت المسلسل الشهير “باب الحارة”؛ إذ قدّم “أسمهان -كما يقول كاتب السيناريو الراحل “نبيل المالح- بما كانت عليه روحها “الطامحة المغامرة”، وكان معنيًا بأسمهان الإنسانة، وليس بتقديم صورة أيقونية، أو نمطيّة عنها.

الفنّانة المروّجة

شخصية “أسمهان” الطموحة، القادرة على التعبير عن الذات، ممارسًة وسلوكًا، التي قدّمها العمل، لم تحظَ بموافقة أجهزة النظام الأمنيّة. تُمثّل في حدّها الأدنى “أنموذجًا” للمرأة السورية قوية الشخصية التي واجهت الموروثات والتقاليد والحالات “الاجتماعية والسياسية والدينية”، وأحدثت حياتها دويًا، تجاوز “هيبة أصولية” رؤية تلك النظم للمرأة.

النظام الذي رعى تلك الأصولية الاجتماعية في طرق التفكير، كرّس سقف المرأة ضمن إطار ما تطرحه الأعمال التقليدية التي يوافق على عرضها، وأقصى ما ذهب إليه، بالنسبة للمرأة، إن أرادت تجاوز تلك الحالات، هي أن تسوّق وتروّج له، كما الفنانة “رغدا” التي وصلت، أو ربما “أوصلها”، إلى حدّ تجاوزت فيه خضوعها له، بأن طالبته باستخدام الكيماوي لتطويع الشعب وإخضاعه.

على الرغم من إدراك النظام أن متابعي المسلسل في المحطات التي عرضته هم كثر، إلا أن الامتناع عن عرضه على شاشة “البعث” يعني الامتناع عن تبنّيه الأفكار التي ساقتها شخصية العمل الرئيسة، بمفاهيم احترام الذات والتحرّر، وهذا يفهمه المتلقي السوري، بوصف أن تلك الأفكار لم تحظ بموافقة “أمنية”، وبالتالي؛ ممنوع عليه تبني رؤية معظم شخصيات العمل، خصوصًا شخصية “أسمهان” الخارجة على ثقافة “القبيلة”، تلك الثقافة التي سعى النظام إلى تكريسها في الحياة الاجتماعية، من خلال استلاب الشخصية، وتعميق مفهوم التبعية، وهو ما عملت عليه المؤسسات التي يدير كل واحدة منها زعيم، كما مؤسسة الأسرة.

الطبع العُنفيّ

وهذه العقلية “القبلية” كانت المحرك الأساس لسلوك وحياة الأبناء أو الموظفين، بمعنى وجوب الخضوع  للزعيم الأكبر؛ ما يعني “وجود مرجعيّة دائمة تنظّم أسلوب التفكير وطريقته، فمن غير المسموح الخروج عن هذه الثقافة التي اتبع النظام أساليب مختلفة من أجل الإبقاء عليها إبقاءً ممنهجًا، وأبرزها “الترهيب”، وسقف هذا التفكير لا يتجاوز “النقابات والمنظمات الشعبية”، ومنها “الاتحاد النسائي”، التي جعل مفاهيمها وقوانينها سياسية، وبالتالي؛ “عُنفية الطابع”، خصوصًا أنها  أفرغت من محتواها المهني والاجتماعي، ولم يكن لها أي دور في التعبير عن مصالح المنضوين في إطارها، أو السماح بحرية التعبير والتفكير، إلا في إطار ما يخدم سياسة الخضوع وطاعة “الأكبر  أو الأعلى  أو فوق”، كما يسمّونه عندما تأتي تعليمات، مشيرين -بذلك- إلى المسؤولين الكبار أو رأس النظام.

نهج الثقافة التي ساقها النظام، وعمل عليها، بدءًا من المناهج الأيديولوجية “القومية والتربية الدينية”، كانت مدروسة ومخططًا لها أن تكون سجنًا لا يتجاوز تفكير التلاميذ جدرانه وعناوينه، وأن تكون ناظمة لحياتهم، ضمن قوانين ثابتة جامدة تفرض الارتباط بأصوليتها غير المتحركة أو المتطورة. لم تحظ المرأة في البلاد بمساحة للتعبير عن ذاتها، أو ممنوع عليها إبداء أي موقف في قضايا المجتمع؛ وحتى إزاء مشكلاتها هي، فسياسة الخضوع للأكبر و”الترهيب” هي الأساس الذي مارسه النظام من خلال تلك الأدوات، فمن المدرسة تبدأ القيود على البنت بالتشكّل -تصاعدًا- ضمن مفاهيم الصح والخطأ، والعيب والمحرم والممنوع.

على الرغم من مساهمة وسائل الاتصال الحديثة في شحن المرأة بأفق مختلف، إلا أن تلك المنظومة حاولت بوسائل شتى السيطرة على تلك الوسائل، وتطويعها وتوجيهها للحد من تأثيرها الإيجابي في المجتمع عامة، وعلى المرأة خاصة، حفاظًا على أصولية التفكير “القبلي”، وعدم الخروج عليه.

سياسة “القمع والترهيب” ورسم الخطوط الحمراء، وتعميق العلاقات القبلية التي عنوانها الخضوع، كان أخطر ما واجه المجتمع السوري من المنظومة الحاكمة العليا، وقد أصاب الأسرة إصابة مباشرة أكثر من غيرها.

قيَم القبيلة

لم يستنهض حزب البعث، طِوال فترة حكمه، قيَم العروبة التحررية النهضوية، بقدر ما “بعث” ثقافة القبيلة، التي كانت العصا وأداة الحكم لتدجين المجتمع، إلى جانب أجهزة الأمن والشرطة وغيرها. كان يفرض على الفنان الانتساب إلى صفوفه؛ “من أجل أن يكون صوته جميلًا، أو أداؤه صحيحًا”، أو من أجل السماح له بإقامة حفل فني، شرط أن يكون برعاية الرئيس، وبحضور قائد الشرطة والمحافظ وفاعليات سياسية وحزبية ونقابية، وعليه أولا أن يغني “للقائد”، وإذا رفض؛ فسيكون مصيره كمصير الفنان الراحل “محمد خيري”؛ حيث اعتدى عليه ضباط في “كازينو ديك” الجن في مدينة حمص؛ لأنه رفض الغناء للرئيس، وتوفي في إثر هدا الاعتداء في أيار 1981.

وكان الشيء ذاته سيحدث مع كثيرين، ومن بينهم “أسمهان”، لو بقيت وعاشت كل هذه العقود المظلمة من تاريخ البلاد، على الرغم من أن النظام أراد قتل ما تمثّله بعد موتها، من خلال المقربين التابعين له، بفعل أصوليتهم التي يمسك ويتحكم بها، والتي لا تقل خطرًا عن أية أصولية أيديولوجية أو عقائدية.

يمكن القول: إن أحد أهم أسباب الثورة السورية يكمن في “الرغبة الجمعية” في توحيد تلك الشخصية “المنهكة”، من خلال السعي لامتلاك الذات التي أهم مفرداتها حرية التعبير، والخروج من قضبان الأصولية الاجتماعية والدينية والسياسية، وهو المخاض الذي يؤسس لمرحلة تحولات كبرى على الرغم من الواقع المؤلم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق