هموم ثقافية

المرأة في الظل

الحديث عن شؤون المرأة وشجونها، إن كان حديثًا عن الاستغلال والتمييز والعنف، أم عن التحرر، يشعرنا نحن النساء، بأننا خارج نطاق الإنسانية ومنظومة حقوق الإنسان؛ لأن الموروث الاجتماعي والثقافي والديني حجب المرأة في جناح “الحريم”، وشكّلها طول المداومة على هذه الحال عشرات القرون، كما أرادها الموروث، وكما يريدها المجتمع الذكوري: قاصرة وضعيفة وعالة على الرجل وناقصة عقل ودين وغير مسؤولة إلاّ عمّا أوكلته إليها الطبيعة من إنجاب وإرضاع، وما أوكله إليها المجتمع من أعباء منزلية وتدبير شؤون الأسرة.

تعجب المرأة البصيرة اليوم من مجتمع يحكم على نفسه بالضعف والركود والتموُّت، لا لشيء إلا لأنه يأنف أن تكون النساء مساويات للرجال في الكرامة الإنسانية والمكانة الاجتماعية، ولا يرى فيهن سوى أدوات آدمية ووسائل لتحقيق غاياته وإشباع رغباته وإطفاء حرائقه. العنف المتواتر، الذي يمارسه معظم الرجال على معظم النساء كل يوم، بل كل جزء من أجزاء اليوم، دونما لوم أو مساءلة أو عقاب، يجعل من المجتمع غابة، أو حظيرة حيوان، إذا استعملنا عبارة جورج أورويل، ويهدر طاقاته في العنف والكيد والانتقام، ويهدر إنسانية أفراده نساء ورجالًا. فقد لاحظ ألبير ميمي في كتابه المهم “صورة المستعمِر والمستعمَر” أن الإنسان لا يستطيع أن يضطهد شخصًا آخر أو يهينه إلا بعد أن يجرده من جميع خصائصه الإنسانية، لكي يكون مستحقًا للإهانة والاضطهاد. هكذا يتم تعنيف النساء والملونين واحتقار “الأقليات”.

قيل قديمًا: الإنسان مرآة الإنسان؛ لكن مفهوم الإنسان مفهوم مراوغ، لم يكن يعني، ولعله لا يعني اليوم، سوى الرجل. لذلك أقول: النساء مرايا الرجال؛ مقابل كل امرأة معنَّفه رجل ذليل، يتوارى خلف كبرياء زائفة؛ مقابل كل امرأة ضعيفة رجل رعديد وجبان يخفي جبنه بفحولة ممجوجة، مقابل كل امرأة ناقصة (ليس لها قضيب) دودة منتعضة تزحف على بطنها طلبًا للمتعة واللذة، فلا تنالهما؛ مقابل كل امرأة ناقصة عقل رجل مخبول، ومقابل كل امرأة ناقصة دين شيخ شبِق، لا يتورع عن مفاخذة طفلة، أو كاهن لا يتورع عن الاعتداء على أطفال صغار (وهذه حادثة شهيرة تنم عن حوادث غير معلنه). لا يتساءل أحد: لماذا يُهزم “أبطالنا الميامين” ويولون الأدبار أمام العدو الإسرائيلي، ويتنمرون على مواطنيهم ومواطناتهم، أو لماذا يجبن فحولنا عن مواجهة الاستبداد، أليس لأنهم الصور الواقعية المنعكسة عن نسائهم المضطهدات الذليلات؟

لقد عد ابن رشد (1126 – 1198) وضع المرأة في أي مجتمع، معيارًا لقوة المجتمع أو ضعفه. وأن المرأة والرجل يشتركان في النوع والطبع والكفاءات الذهنية والعملية، وإن اختلفت عنه في بعض الخصائص والوظائف. .وعزا حالة التردي التي كانت تعيشها النساء في المجتمعات العربية المسلمة آنذاك إلى “تصورات خاطئة موروثة من ثقافة قبلية أبوية تحرم المرأة من اكتساب الفضائل والمهارات بالتعلم الجاد والعمل الخلَّاق. وخلص إلى أن تغيير هذه الوضعية البائسة يقتضي تغيير تلك التصورات الخاطئة والمتحيزة ضد المرأة، والتي لا بد أن تورث المجتمع كله ضعفًا ماديًا ومعنويًا، نظرًا لكون النساء يشكلن أغلبية المجتمع”.

وتعجب المرأة البصيرة كيف يبذل مجتمع جهودًا مضنية في مراقبة النساء وممعاقبتهم بغية السيطرة عليهم، بجميع الوسائل التي تقتضيها السيطرة، ولا يبذل مثل هذه الجهود في مجالات العمل والإنتاج والابتكار والإبداع. كتب جاد الكريم الجباعي[1]: “التعمية الجنسية والكبت والتربية المتزمتة للطفلات والأطفال[2] تهيئ شروط الكف الجنسي للراشدات والراشدين، قبل الزواج، وتحول الرغبة الجنسية (الإيروس) عن غايتها الأصلية، الطبيعية والمدنية، وتفصلها عن العقل. هذه النتائج تجعل النساء قابلات للتذكير الرمزي، والتنكر لأنوثتهن، أي لمحاكاة نموذج الرجل، والتماهي به، بل تقسرهن على ذلك، وللثقافة التقليدية أثر لا يقل عن أثر السلطة الأبوية في عمليتي المحاكاة والتماهي. .. إن محاكاة أنموذج الرجل، على نحو ما ترسمه كل امرأة في ذهنها، يقصر معنى المساواة على المقدرة، أي على “التساوي”، بل التكافؤ، في القدرات العضلية والذهنية، ولا يتعداها إلى التساوي في الفرادة الوجودية والكرامة الإنسانية والمكانة الاجتماعية والأهلية القانونية. الأنوثة ليست ميزة للمرأة بعد، مثلما الذكورة ميزة للرجل، ولا تمنحها أي قدر من الذاتية والخصوصية وأي حق في امتلاك ذاتها، وتوجيه حياتها الوجهة التي تريد.

وافترض أن الهوية الجنسية، التي تحمل سائر العناصر الأخرى للهوية الفردية والجمعية، فتحدد معالم الذات، ليست من منشأ بيولوجي فقط، بل تتضافر في تشكيلها عوامل بيولوجية وفزيولوجية فطرية ومكتسبة، وعوامل غريزية لاشعورية وأخرى معرفية واجتماعية وأخلاقية. ويمكن أن يعزى جانب من الحياة النوعية للأفراد أو مستوى من مستوياتها إلى المستوى اللاشعوري ومحتوياته الطبيعية أو الغريزية، التي تؤثر في العوامل المعرفية والاجتماعية والأخلاقية، وتتأثر بها، ولكنها تعزز طابعها النوعي، في جميع الأحوال. ومن ثم فإن ما هو نوعي في الحياة الإنسانية مؤسس في المستوى الطبيعي أو الغريزي. فنماذج الإدراك البدئية والأنساق الطبيعية، التي تجاوزتها البشرية المتمدنة، تظل راسبة في اللاشعور أو اللاوعي، ويمكن أن تتسرب إلى الوعي في ظروف معينة، كالتي تحيط بنا اليوم، إذ يشعر الأفراد أن حياتهم مهددة بالخطر في كل لحظة.

الكف الجنسي قبل الزواج يجعل المرأة المكفوفة كالرجل المكفوف، أي إنه يؤنث الرجل ويذكر المرأة. هذا الكف الموصوف بأنه جنسي، يتعدى إطار الحياة الجنسية، بحصر المعنى، إلى الحياة الخاصة للمرأة والرجل، بجميع وجوهها وتفاصيلها، ويلقي بظلاله على الحياة العامة، إذ يعوق النمو السوي للشخصية، ويشل قدرتها على المبادرة والابتكار والإبداع، حتى عندما تتجه المكفوفة ويتجه المكفوف نحو الأدب والفن أو نحو فروع المعرفة الأخرى، علاوة على ما تسببه من اضطرابات نفسية وسلوكية. المجال الوحيد الذي يناسب الكف الجنسي والتقشف الجنسي هو الدين، ولكن الرغبة الجنسية تثأر لنفسها في هذا الإطار ذاته، بصيغ فضائحية، كفضيحة الكهنة التي أحرجت الكنيسة الكاثوليكية، وغيرها كثير.

وقد عالج فرويد وغيره من علماء النفس والتحليل النفسي هذه المسائل؛ ويعود لفرويد فضل الكشف عن تنظيم الحياة النفسية، وفق علاقة الأنا (الشعور) والهو (اللاشعور) والأنا الأعلى أو الأنا المثالي (عالم الفرد الاجتماعي والأخلاقي)، وأثر الرغبة الجنسية في هذا التنظيم. يقول فرويد: “ينشأ الأنا بوضوح من ذلك الجزء الذي يكِّون نواته الأولى، (بتأثير العالم الخارجي) ألا وهو جهاز الإدراك الحسي، ثم يبدأ في اشتمال ما قبل الشعور، الذي يجاور الآثار الباقية في الذاكرة. ولكن “الأنا”، كما علمنا، لا شعوري أيضًا[3]. ويصف الفرد بقوله: الفرد “هو”[4] نفسيٌّ مجهولٌ، ولا شعوري، وعلى سطحه “الأنا” الذي نما من نواته جهاز الإدراك الحسي”. ولكن الأنا ينقل تأثيرات العالم الخارجي إلى الهو، ويحاول أن يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة. ما يعني أن “الهو” ديناميكي، ينمو ويتطور، على الرغم من خفائه وغموضه. ولا بد من الإشارة إلى توكيد فرويد بأن الأنا الشعوري هو بصورة أساسية أنا بدني[5] (نسبة إلى البدن أو الجسد).

فإذا نظرنا إلى التطور التاريخي للمرأة ، نراه يمر بكثير من مراحل التمييز والاستغلال، التي كرست خضوعها وتبعيتها للرجل. وإن كانت قد قامت حركات تحررية تطالب بتحرر المرأة من جميع أشكال التمييز والاستغلال والعنف، ونيل حقوقها أسوة بالرجل، إلاّ أن المرأة لا تزال تعاني مرارة النظرة الدونية إليها، في كثير من المجتمعات، المتقدمة منها والنامية، فالمجتمع العربي يمنُّ على المرأة بمقولات ذكورية محضة (المرأة نصف المجتمع.. المرأة زوجة وأم وأخت…الخ) تزيد من إخضاعها وولائها وتبعيتها وامتنانها للمجتمع الذكر، والزوج الذكر والأب والأخ الذكر، وتدفعها إلى الانضواء تحت عباءة الذكورة والاحتماء بها، وقد أخذت المرأة نفسها تتصالح مع هذا الولاء فتمارسه على نظيراتها من النساء، أو في تربيتها لأبنائها فتمنح الصبي ذكورة مبكرة، وتعلم الفتاة ولاءً أعمى للذكر الصغير، وقد تطرق إلى هذا الموضوع الكاتب الأفغاني “خالد الحسيني” في روايته “ألف شمس مشرقة”، كيف تنتقم الأم من زوجها غير الشرعي عن طريق التنكيل بابنتها، وتعنيفها جسديًا ولفظيًا.

“الإنسان كائن عنيف وعدواني بطبعه حسب “فرويد” فالعنف ظاهرة من ظواهر أفعال الإنسان وردات أفعاله، لكنها الأسوأ والأبشع، فيها من الهمجية ما يكفي لإظهارها من تحت رداء الحداثة والتقدم الذي                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                               ترتديه، ويمارس الإنسان العنف على الإنسان والحيوان والأشياء، وتنم هذه الظاهرة على ما تحتويه النفس البشرية من تعصب وجهل، ونقص في إدراك الذات والوعي المجتمعي وعداء اتجاه الآخر المختلف، لذلك تكون النساء هي الفئة الأكثر تعرضًا للعنف، ويرجع ذلك إلى التمييز القائم بين المرأة والرجل  منذ القِدم، فالعنف الممارس على النساء يشمل كل أنواعه الهمجية، العنف الاجتماعي، العنف الأسري، العنف الجسدي، العنف الجنسي، والعنف النفسي، وترجع أسباب التمييز ضد المرأة لمنشأ اجتماعي تقليدي يؤمن بالموروثات الاجتماعية، وآخر ديني يحرم على المرأة ما لا يحرمه على الرجل، لذلك باتت المرأة مصدرًا للعيب والحرام في المجتمع، ومنشأ آخر قانوني فيه من الهفوات ما يحط من شأن المرأة مقابل الرجل، فالفرق بين الجنسين واضحًا، الرجل جنس، والمرأة جنس آخر.

[1]  – جاد الكريم الجباعي، فخ المساواة، تأنيث الرجل وتذكير المرأة.

[2] – تستيقظ غريزة المعرفة عند الأطفال بين الثانية والخامسة، بل قبل ذلك، وينجذبون إلى المشكلات الجنسية بقوة لافتة، حتى كأن هذه المشكلات هي التي توقظ ذكاءهم. راجع/ي، سيغموند فرويد، ثلاثة مباحث في نظرية الجنس، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1983 ص 68.

[3] – سيغموند فرويد، الأنا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، بيروت، ، 1982، الطبعة الرابعة ص 40.

[4] – الهو ذلك القسم من النفس الذي يحوي كل ما هو موروث وما هو ثابت في تركيب البدن، وما هو غريزي في الطبيعة الإنسانية. والهو لا يتبع منطقاً ولا أخلاقاً ولا يهتم بالواقع. إنه يهتم فقط بإشباع الدوافع الغريزية تبعاً لمقتضيات مبدأ اللذة. كل شيء في الهو غامض ولا شعوري. (المصدر السابق، ص 41)

[5] – فرويد، المصدر نفسه، ص 45.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق