أدب وفنون

الحربُ ذريعة لفناء دواخل الإنسان

الحربُ، بوصفها كلمةً إخبارية، مرآةٌ عاكِسة للهَولِ والرعب والموت والجوع والخراب….، لكن في ظلِّ هذه الحرب الإخبارية، والمُتجسدةِ واقعًا؛ حتى وإن كان المرءُ طرفًا، هناك حربٌ كبرى في ميثاق الشخصية الإنسانية، هي الحربُ على الذات، فإن كنت قادرًا على خوض حرب ما؛ لبناء ذاتٍ جديدة، بأفكارٍ جديدة تطمرُ أفكارًا أخرى، كانت تستعبِدُ ذاتك -وهذا ما يجب أن تكون عليه عِلَّةُ خوضِ تلك الحرب- فإنها الحرب التي لا بُدَّ أن تؤدي إلى نتائج تهونُ أمامها كلُّ تضحية.

في حين أنَّكَ تخوضُ حربًا في السياسةِ، وهي -في بدهيتها- ليست حربُكَ، وتخوضها مُخّدَرًا بشعارٍ مُقَدّس، يطمرُّ كلّ الأفكار الخيِّرةِ، وكلّ الأدوات الكفيلةِ ببناء البديل الخالي من أيِّ استعباد أو استبداد أو طمرٍ لعقلٍ وفكرٍ ورأي. إن هذه الحرب ليست، إلا حربًا وحسب. حربٌ وعدمٌ؛ ما دمت تُبيدُ -للنصرِ فيها- كلّ عقلٍ وعِلمٍ وشابٍ وطفلٍ وأرضٍ ومعامل ومستلزماتِ أبسط حياة.

لن تكون صادقًا مع ذاتك، ولا صادقًا بشعارك في خوض حربكَ؛ لإيجادِ بديلٍ يُحترَم، ما دُمتَ تَنْسِفُ روحَ بناء الشخص والوطن أو حتى الحياة، ألا وهو العِلم، وتحت شعارٍ عاطفيٍّ لا يمتُ لا إلى عقلٍ ولا حتى إلى إقناعِ طفلٍ صغير يُصدِّقُ تجسيده في غضون أيامٍ وأشهر، والجو جو خراب، لا استقرار ولا أمان ولا ضمان فيه لآنٍ ولغدٍ.

حين تخوضُ حربكَ تلك وتسعى لتأكيد سطوة سلاحك بأن تكرس الجهلَ بسطوة السلاح، وتترُك العلم عاهرةً في زاوية الشارع، في ما بقي مما نسميه وطنًا، ويظهر للعيان، وحتى لأبسط العقول، أنَّ الجهل ينتقمُ، منتشيًا بحمقهِ على ذكاء العلم، عَكسَ كلّ أقاليم ومناطق العالم.

في سبيل آناكَ يُطردُ العلم الآتي من تخمر عقولٍ وأفكارٍ عميقة، ببديلِ جهلٍ آتٍ على صهوة السلاح وكيليشيهات كثيرة بعناوين كبيرة كـ (أكاديميات) مثلًا!؟ والغايةُ منها ليس إلا تخريج فوارغ ذاك السلاح، مديرين وأساتذة في غضون أشهر ثلاثة!!

كان فرويد مُحِقًا حين كتب عن:” أنَّ الحرب تُسَفِّهُ أذكى العقول”، لكن، أن تُرقي الحُمق والجهل، هذا ما يمكن أن يضاف إلى ما كتبه فرويد، في حاضرنا المُعاش.

عناوين وشعارات ضخمة لبالون خِداع في عَصرٍ؛ الرضيعُ فيهِ -بَدلًا من حَلمتي- أمهِ يُداعبُ أزرار “الآيباد والآيفون واللابتوب والموبايل”، وجميع ما يسمى بالآلات الذكية، التي يحملُها الجهلةُ، غير مُدركين أن تكوينها ينفرُ من ملامسة أصابِعهم لها، ويشمئزُ من عقولهم!

ومن البدهي ألا يمِت العقلُ -ببنيته التفكيرية والخُلْقيِّة- إلى واقعٍ كهذا بصلة؛ لأنه لا يستطيع أن يتفوق باللسان على الجهل، ولا حتى يتمرد على الحمق؛ لأن الحماقة شحنة وطاقة لا تحسب للفكر أي حساب؛ فهي تَذرُّ في الهواء فِساء جهلها، لِتَخرّ بعدها العقولُ كَدِرَةً من رائحتها، ولينفجرَ العقلُ بَعدها في صمتهِ.

لا، ليست المسألةُ، مسألةُ حربٍ، قطُّ، المسألةُ مسألةُ غايةُ ميكافيلي في السياسة، وهي في الحرب المُعاشة معنا، هي غايةُ الفناء بوسيلة الجهل. وليس أفضل من رمي العلم وأصحاب الشهادات في النفايات، فالمسألةُ تحقيق غايةٍ مدروسة؛ لتدمير الكائن الوحيد القادر على بناء وطنٍ ذي شأن، لا يمكن -بأيِّ شكلٍ من الأشكال- أن يكون هناك أفصح من تدمير -كهذا- للوطن، ولمحركات ديناميكيتهِ، ولا يمكن أن يكون هناك أفضل وأسوأ طريقة؛ لرفع شأن الجهل وخراب ما بقي مما يسمى وطنًا، وما عاد يسمى بالإنسان!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق