مقالات الرأي

العقل “الأقلوي” ونتاجاته

تناولت دراسات كثيرة بنية العقل الأقلوي وإفرازاته، والمقصود به: الأقلوي الطبقي، أو السياسي، أو الطائفي، أو الاثني…، وسوى ذلك من مركبات اجتماعية، أو فكرية.

قام جوهر الماركسية على فكرة الهيمنة المختلفة على الأقلوية، أي: الطبقة العاملة في المجتمعات الصناعية المتطورة حين تصبح القوة الإنتاجية الرئيسة؛ فتنتج ما عدّوه دكتاتورية البروليتاريا، وإن كانت التجربة الروسية، فالسوفياتية خالفت ذلك، واضطرت إلى القسر، وإلى إقحام العامل الذاتي لتكييف الموضوعي، وقولبته؛ فتحوّل العامل الذاتي إلى أقلوية، قادت إلى نمطية من الدكتاتورية، والتي كانت السبب الحيوي في سقوط تلك التجربة.

– الأقلوية، وهي تبحث عن مكان لها، غالبًا ما تتوسل الفرض سبيلًا؛ لأنها لا يمكن بالطرق العادية، والديمقراطية أن تحقق ما تريد، ويمكن أن يجيء الفرض نتاج فعل سري، وكثير من الوسائل الباطنية غير الواضحة؛ حتى تلك اللحظة التي تتمكن فيها من الإمساك بالسلطة، أو بوسائل تنفيذ أهدافها، حينئذ، تكشّر عن أنياب استبدادية، عنفية، يمكن أن تصل حدّ إعدام الحريات الخاصة والعامة، واجتثاث الآخر المخالف.

– الفرض يستند إلى القوة، والمؤسسة العسكرية، والقوى الأمنية، ووسائل القمع هي الملجأ والأدوات، بكل منتجات ذلك في استخدام العنف، ومصادرة الحياة الديمقراطية، وحقوق الناس العادية، والقرارات الفوقية، وغيرها من وسائل القسر، والتعليب والتغييب.

– الانقلابات العسكرية، وبغض النظر عن خلفياتها، وأهدافها، كانت التعبير الصارخ عن حالة أقلوية، تستعمل القوة لتثبيت وضعها، في حين أن الأقلويات المذهبية، أو الإثنية كثيرًا ما تلجأ إلى التورية عبر مزيد الواجهات، والشعارات، وهي بدورها تبحث عن القوة، وأهمها إقامة خليطة مكينة تزاوج العَسكرة بالأمن .

* * *

في الحالة السورية، ومنذ انقلاب آذار/ مارس 1963، وعلى الرغم من الأجواء الشعبية الإيجابية التي كانت سائدة ضد الانفصال، وبأمل استعادة الوحدة مع مصر، ولجوء جميع الجهات العسكرية التي شاركت فيه -البعثيون والناصريون- إلى واجهات سياسية، إلا أن وضع البعث بعد حله في أثناء الوحدة، والحالة الناصرية الشعبوية، لم يكونا بمستوى منح ذلك الغطاء المطلوب؛ ما قاد إلى تحكم العسكر بالوضع، من جهة، وتوظيف تلك الواجهات السياسية غطاء، من جهة أخرى، دون نفي محاولات جادة لبناء حزب جدير بتحمل مسؤولية السلطة، خاصة بعد أن بات البعث منفردًا، وبعد أن أبعد وصفّى حلفاءه الآخرين.

لقد أنتج العقل الأقلوي تحكّمًا بالسلطة، وأحادية متأثرة بالعقل الشمولي، ونظريات حرق المراحل، وإعدام الحريات الخاصة، وتوضيب الحريات العامة في قوالب تبعية، ومحاولات محاكاة التجربة السوفياتية ولو بشكل كاريكاتوري يفتقر إلى أسسها، وخلفياتها الفكرية، وواقع روسيا، وما يُعرف بنشأة المنظومة الاشتراكية، ثم في إنبات فكر أقلوي مبطّن، يستغل البعث وتاريخه وأفكاره لموضعات أخرى مناقضة، ومخالفة -تمامًا- لمبادئ البعث والمرفوع من شعاراته، وبما أن أبرز تلك الفجوة بين المعلن والمخفي. بين حكاية المبادئ والأهداف الكبرى، وبين حالة طوائفية راحت روائحها تنتشر، ثم تعلن عن نفسها بلبوس ملغوم، وتقمصي. أي يمكن القول: أنه جرى التحول إلى أقلوية الأقلوية، لكنه -ذلك التحول- ظل مغلفًا بمزيد من ستر الشعارات، والواجهات، والإدغام، والإبهام الذي يثير التباسًا عند بعض الأوساط التي لا ترى، أو لا تريد أن ترى الحقائق، كما هي فعلًا، لتسبح في مستنقعات التبرير، والتكرار.

العقل الأقلوي، حتى وهو في السلطة، وهو يتحكّم تمامًا بالمفاصل كافة، وهو يقضي على المعارضين، وعلى أي مخاطر يظنها محتملة، يظل مرعوبًا من الآخر، خاصة الأكثري، حذرًا، متشككًا بمواقفه ونياته، فيلجأ إلى مزيد من القمع والإفساد ومحاولات التجويف والاختراق الأمني، وإلى تلك الازدواجية الفاضحة بين الحالة الواجهية التي يحشد فيها طيفًا واسعًا من بقية الأطياف والمكونات، خاصة من الأكثرية، واستخدامهم عباءة فضفاضة، وبين ارتكازاته الفعلية التي تظهر فيها الأقلوية فاضحة.

نظام الطاغية الأكبر، ووريثه، ابنه، كان أقلويًا بامتياز منذ بلورة تكتله العسكري وانقلابه “التصحيحي”، وقد برزت فيه قوة طائفية تشكل الاستناد الرئيس، على الرغم من رفعه رايات البعث وشعاراته، ثم تمريغه بتلك التحولات الدالّة عبر العقود، والتي تموضعت فيها الطائفية، والأقلوية بما يفقأ عيون جميع الواجهات المرفوعة.

وفي الإطار ذاته، كانت سياسة التعبئات ضد الآخر : الخصم، والعدو تجسّد جوهر عقلية الأسد واحتقانه الداخلي، الأقلوي المأزوم، وقد تجلّت في وريثه بصورة أكثر فجاجة، وسذاجة، خاصة بعد قيام الثورة السورية وتعريتها لحقيقة بنية النظام وموقعها الفعلي، والمدى الطائفي الذي يمكن أن يوغل فيه.

قبل الصدام مع “الحركة الدينية” -أواخر السبعينيات- كان الأسد يقدّم نفسه، باطنيًا، كحامي حمى الطائفة العلوية، الحريص عليها، والمدافع عنها من آخر سيبيدها، وقد خدمته كثيرًا تلك الصدامات مع “الحركة الدينية” لتكتيل الطائفة -في معظمها- حوله، كما كان شأن الوريث الذي أفصح عن هوية انتمائه الأقوى، واتهام الثورة -منذ بداياتها- بأنها فتنة طائفية، والاستنجاد بقوى ومليشيات طائفية شيعية، يُفترض أنها تناقضه المرفوعَ من شعاراته البعثية، وشبه العلمانية، وشبه القومية، والانضواء عمليًا في المشروع القومي الإيراني الراكب على الدين والمذهب.

العقل الأقلوي الحاكم، المرعوب داخله من الآخر الأكثري، لا يمكنه أن يقوم بعمليات إصلاح، أو الموافقة على حلول سياسية تشاركية مع الآخر، لأنه يرى فيها نهايته، لذلك؛ ينتج مزيد القتل والدمار، والاستعداد للإيغال في دماء السوريين، ولو بلغ عدد الضحايا أكثر من مليون.

أكثر من ذلك؛ هو مستعد، عند الاضطرار، للتفريط بوحدة البلاد المجتمعية والسياسية والجغرافية، واستقدام القوى الأجنبية، والبقاء حاكمًا ولو على حاكورة صغيرة، أو كيان تحت نفوذ وحراب الأجنبي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق