قضايا المجتمع

فلسطينيو سورية في لبنان وسياسة عدم الإبقاء

حتى صيف 2014، بلغ عدد الفلسطينيين الهاربين من جحيم الموت في سورية، إلى لبنان، 80 ألفًا ونيف، قبل أن تقدِم السلطات اللبنانية على إقفال الحدود أمام اللاجئين الفلسطينيين من سورية، عبر سلسلة من الإجراءات التي تحرمهم حق اللجوء إلى أماكن آمنة من أرض تجري فوقها حرب تحررية، بما يتناقض مع القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

اليوم، ووفق تقديرات للأونروا، ومجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المهجّرين من سورية إلى لبنان 42500، موزعين على امتداد المخيمات الفلسطينية الـ 12، من شمالي لبنان إلى جنوبه وشرقه ووسطه. وثمّة تقديرات يضعها ناشطون من فلسطينيي سورية، تقول: إن العدد الذي تضعه الأونروا، وتتبناه مجموعة العمل، مبالغ فيه، وأنه لا يتجاوز في أحسن الأحوال 25 ألفًا.

بغض النظر عمّا إذا كان عدد اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان، تناقص إلى النصف، أو إلى أقل من الثلث، فإن الأمر -بحد عينه- يطرح تساؤلًا عن أسباب هذا التناقص وعن المقصد الذي يتوجهون إليه؟

“المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان” التي تراقب الوضع الحقوقي والقانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان والمنطقة، وقد تابعت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين من سورية منذ بداية لجوئهم الى لبنان، تصف ما يتعرض له هؤلاء اللاجئون، قانونيًا وحقوقيًا، بـ “سياسة عدم الإبقاء”.

من نافل القول، إن عددًا كبيرًا من اللاجئين الفلسطينيين من سورية كانوا قد دخلوا إلى لبنان من طريق نقطة المصنع الحدودية اللبنانية دخولًا قانونيًا، وأُعطوا سمة مرور لمدة اسبوع، ثم مُددت إقاماتهم 3 أشهر، وتقرر تمديدها كل 3 أشهر؛ حتى مدة سنة، مجانًا، أمّا من تتجاوز مدّة إقامتهم السنة، فيتوجب عليهم دفع 300 ألف ليرة لبنانية (200$) للفرد؛ لاستصدار إقامة سنوية، في معظم الأوقات لا تتم الموافقة عليها، ليبقى اللاجئ الفلسطيني من سورية إلى لبنان في وضع مقيم غير شرعي.

إن هذا الإجراء -بحد ذاته- يعدّ خرقًا للقانون الدولي الإنساني، إذ إن اتفاقيات جنيف تُلزم الدول، وخصوصًا المجاورة لبلد تجري فيه حرب طاحنة، باستقبال المدنيين الهاربين من آتون الحرب، وتقديم ملجأ لهم وإغاثتهم غذائيًا وطبيًا؛ إلاّ أن السلطات اللبنانية، التي تعرف تمامًا الأبعاد القانونية هذه، لجأت إلى حيلة، جاراها فيه المجتمع الدولي، بإطلاق تسمية “نازحين” على هؤلاء؛ كي تتهرب من التزامات التعامل معهم كلاجئين، وهي -للسبب ذاته- رفضت إقامة مخيمات نظامية لهم ترعاها الأمم المتحدة، وغضت النظر عن انتشار مئات المخيمات غير النظامية في أكثر من منطقة، خصوصًا في البقاع وعكار.

أما اللاجئون الفلسطينيون من سورية، فلم يجدوا أمامهم، كما ذكرنا سابقًا، سوى الانتقال إلى داخل المخيمات الفلسطينية المكتظة أصلًا بساكنيها؛ ما رفع عدد سكان مخيم عين الحلوة، -على سبيل المثال- وهو الأكبر في لبنان، من 80 ألف نسمة إلى أكثر من 100 ألف نسمة، يعيشون في مساحة لا تتعدى الكيلومتر المربع الواحد.

بدأ اللجوء الفلسطيني من سورية إلى لبنان في عُقب مجزرة “الميغ” في مخيم اليرموك، جنوبي دمشق، نهاية سنة 2012، وتفاقم بعد فرض الحصار على المخيم خلال النصف الأول من سنة 2013، وحتى صيف 2014، قبل أن تشدد السلطات اللبنانية الإجراءات الحدودية، كان عدد اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان تجاوز الـ 80 ألفًا، وفق تقديرات جهات عدّة، كما ذكرنا سابقًا؛ إذ إنه لا إحصاء رسميًا لعدد هؤلاء.

وفي لبنان، بدأت محنة من نوع آخر، إذ فضلًا عن شظف العيش، باشر الأمن العام اللبناني اتخاذ إجراءات، وأصدرت وزارة الداخلية اللبنانية قرارات، كان من شأنها التضييق على الوجود الفلسطيني السوري في لبنان، من مثل، منع عودة المسافرين إلى لبنان عبر مطار بيروت الدولي، وترحيلهم إلى سورية، حيث تنتظرهم مخاطر الخطف والقتل، ورفض تجديد إقامات من تجاوزت إقامتهم السنة، وفرض رسوم مالية على التجديد، التي اشرنا الى أنها 200$ أميركي للفرد، أي أن عائلة من خمسة أفراد مثلًا يتوجب عليها دفع 1000$ سنويًا بدل تجديد إقامات، فيما الأونروا تدفع مبلغ 100$ شهريًا للعائلة كلها كجزء من سداد إيجارات المنازل، و27$ شهريًا للفرد بدل طعام، علمًا أن أجرة المنزل المتواضع داخل المخيمات الفلسطينية هو 400$ شهريًا، فيما تحتاج أسرة من 3 أشخاص في لبنان للعيش على حافة الفقر إلى 800$ شهريًا.

كما أنه عند توجه طالبي تجديد الإقامات إلى مراكز الأمن العام، فإنهم يتعرضون لإهانات شتى، وفق شهادات جمعتها المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان من عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين السوريين في لبنان، من شتائم واحتجاز أوراق لأشهر قبل إبلاغه المعنيين رفض التجديدن وتوقيف أشخاص لأيام عدة عند توجههم الى مراكز الأمن العام لتجديد الإقامات، والطلب ممن تُرفض إقامته بالمغادرة خلال فترة قصيرة، يما يهين كرامة الإنسان، ويخرق أي قانون إنساني وأي شرعة لحقوق الإنسان.

إن هذا الواقع دفع اللاجئين الفلسطينيين السوريين في لبنان، إلى البحث عن بدائل؛ حتى لو كانت مميتة، للخروج من مأزق اللجوء الجديد الذي يهين كراماتهم، فيما منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الأخرى، في حالة ضعف شديد، لا يجعلها قادرة، أو لديها إرادة، لتحمل مسؤولية من لجأ من الفلسطينيين من الحرب في سورية إلى لبنان.

لقد اختار اللاجئون الفلسطينيون السوريون في لبنان؛ للخروج من مأزقهم، طريق التهريب بحرًا، وسجلت وفيات عديدة من بينهم غرقًا، فيما اختار آخرون التهريب إلى تركيا برًا، على الرغم من مرورهم بمخاطر مركّبة خلال عبورهم الأراضي السورية، حيث يمرون في مناطق تختلف القوى المسيطرة عليها بين مليشيات موالية للنظام أو حواجز نظامية أو حواجز مجموعات مسلحة، علمًا أن هذا المسار بات صعبًا؛ بسبب الإجراءات الحدودية التركية؛ الخيار الثالث المعمول به حاليًا، هو السفر من مطار بيروت جوًا إلى مطار أربيل في شمالي العراق، ثم برًا عبر التهريب إلى تركيا، فإلى أوروبا، علمًا أن السفر عبر المطار يحتاج إلى عمل تسوية لدى الأمن العام اللبناني، وهذه التسوية متاحة بعد دفع مبلغ مالي تراكمي لمن خالف مدّة الإقامة الممنوحه له/ لها.

عبر “سياسة عدم الإبقاء” هذه، غير المعلنة رسميًا، والتي تصعّب، بل تجعل الإقامة مستحيلة، وتسهّل إنجاز التسويات للسفر عبر المطار، تسرب أكثر من ثلثي اللاجئين الفلسطينيين السوريين في لبنان، إلى أوروبا تحديدًا، هربًا من شظف العيش ومن مضايقات السلطات اللبنانية لهم، وبالتالي؛ يصبح شعار الحفاظ على حق العودة، مفرغ شكلًا ومضمونًا، إذ إن المطلوب مغادرة لبنان إلى أي مكان، وليس العودة إلى فلسطين؛ هنا يتساوى اللاجئ الفلسطيني في لبنان القادم من فلسطين سنة 1948 مع اللاجئ الفلسطيني السوري الهارب من آتون الحرب الطاحنة؛ لأن المطلوب هو المغادرة نهائيًا، وعدم العودة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق