هموم ثقافية

اللون في التكوين السينمائي

قبل كل شيء لا بد من الفصل بين الفيلم الملون ولونية الفيلم “استخدامات اللون في للقطة السينمائية”، وهذا يتطلب الحديث عن مرحلتين للون في السينما:

– اللون في السينما في مرحلة الـ “أبيض والأسود”.

– اللون في السينما الملونة.

فقبل ظهور الشريط الملون، وعندما كان لا توجد سينما سوى الأبيض والأسود، كان الجهد مضنيًا لصانع الفيلم في التعبير عن قيمة اللون، حيث كان جلّ اهتمامه ينصب على أن يعطي الأشياء لونها الطبيعي؛ حيث كانت الأسلوبية اللونية تتكثف -ايحائيًا- بالتدرج اللوني بين الأسود والأبيض، أي: “في المساحة الواسعة للرمادي”، فمن خلال التصورات المسبقة في الأذهان، نتصور اخضرار المرج، أو الشعر الذهبي للممثلة الحسناء، إن لم نكن قد رأيناها من قبل. وكلنا يعلم أن الدم المنبجس من الجسد لونه أحمر قانٍ، ومن خلال هذه المعلومة المسبقة عن الدم، وما بين التخيل والتصور، تكمن مهمة صانع الفيلم ليتم تأثيره اللوني.

إنه -إذن- الاعتماد على مخيلتنا من جهة، وتصورنا من جهة أخرى، فهما اللاعبان الأساسيان في خلق الصورة اللونية، بواسطة صورة ذهنية مسبقة معقدة التركيب للمتلقي.

أما على الشريط الملون -أي السينما الملونة- فقد أصبح للون قيمة أخرى ووظيفة أخرى ودالة أخرى، وظهر الفارق بين اللون البرتقالي للبرتقالة، واللون البرتقالي للغروب، واللون البرتقالي للقطة السينمائية عامةً.

في السينما الملونة دخل مبدع الفيلم مرحلة جديدة مع اللون، هي مرحلة الصراع مع ألوان الطبيعة ذاتها، ومعركة خيال، وأسلوبية لاختيار اللون ووجوده في الفيلم.

في اللقطة الخارجية تصبح ألوان الطبيعة قوة هاجمة، التخلص منها، أو تأكيدها، ليس ترفًا فنيًا، ولا عملًا عشوائيًا. يصبح للون معانٍ درامية، وتعبيرية، وتوظيفها يتطلب معرفة وعلمًا بالأسس الفنية والإيحائية للون.

ومنذ ظهور الشريط الملون -سينمائيًا- بات له لغة ودلالة وإيقاعًا، وتناغمًا (هارموني)، ومصدرًا ضوئيًا، حيث يخضع اللون لأسس المونتاج، ويدخل في علاقات متشابكة؛ بصرية وذهنية متخيلة. وتدخل –أيضًا- شروط العين الفيزيائية، ويصبح لمفهوم التضاد (الكونتراست) تعبيرية مختلفة عن شريط الأبيض والأسود الذي بدأت به السينما؛ حيث تحول الأبيض والأسود من أساس لوني إلى لونين. فالأبيض والأسود في أفلام “الأبيض والأسود” لم يكونا لونين بل كانا قيمة لونية، أما في الفيلم الملون فقد أصبحا لونًا كسائر الألوان، مزجًا أو قيمة لها معنى التذكّر “فلاش باك”، على سبيل المثال لا للحصر.

في الملون أصبح التعبير اللوني أكثر تعقيدًا. لنأخذ المثال التالي:

في فيلم “همسات ورغبات” لبيرغمان، كان اللون الأحمر، يظهر لنا كمساحة للصراخ خلف همسات الشخصية في الفيلم، فعندما كانت تنطلق الآهة من فم الشخصية، ما تلبث أن تنعكس في فضاء المشهد الأحمر، وتستحيل إلى صرخة، وأصبحت الخلفيات الحمراء للمكان لغةً للصراخ، وتعبيرًا عنه، وأصبح اللون الأحمر محتوى وليس شكلًا، محتوى للآهات، وإبرازًا للأعماق النفسية للشخصية؛ حيث يصير اللون -شكلًا ومحتوى في آنٍ معًا- مثل الموسيقى. فاللون الأحمر عند المبدع الكبير بيرغمان لم يكن طلاءً يزركش المكان، بل لغة عظيمة جديدة، مزجت الشكل والمحتوى، في تعبيرية درامية معقدة بإيقاعها وتناغمها.

وكذلك الايقاع اللوني، وكيف يجعل المبدع اللون إيقاعًا شأنه شأن الإيقاع الصوتي، من خلال الإيقاع الحسي، فعندما تتعاقب الألوان -من خلال الصور- بإيقاع مدروس لفيزياء العين، ينشأ حس موسيقي للون، ومشهدية يدرسها المونتاج، ويعمل عليها بدقة وعلمية، ضمن لغة الحس الفني الخاص بالصورة الجمالية، غير مبتعد عن الوظيفة التي وجدت من أجل بالمعنى الدرامي(!).

أما دالة اللون “السيميائية”، فهي ذاك الفرق ما بين اللون الأزرق للبحر، واستخدام اللون الأزرق نفسه، فاللون الأزرق للبحر لا يدل إلا على البحر، بينما اللون الأزرق يدل على البرد أو الهدوء أو السكون، أو أي توظيف فني يراه مبدع الصورة السينمائية.

وهذا يقودنا إلى العملية الفنية للتناغم اللوني، ذلك التناغم الذي قد يبدو خفيًا في الفيلم، من خلال الألوان المتعاقبة، إن كانت مقترحة من المخرج أو هاجمة من الطبيعة، والتي ينشأ فيها الحدث الدرامي السينمائي. إن ذلك لا يختلف عن التناغم الصوتي الذي تحدثه الموسيقا مثلًا. ولذلك؛ تُدرس الموسيقا الفنية لدرامية للمشهد بتناغم مع الألوان المقترحة فيه، فالتناغم الصوتي له شروط الإحساس السمعي والتناغم البصري له شروط إحساس العين، ولا ثقافة بصرية جمالية دون فهمنا للون ومدلولاته التعبيرية والإيقاعية.

كل ذلك يجعلنا نتذكر مقولة الخلّاق والمبدع السينمائي سيرغي ايزنشتاين(1898-1948)، صاحب فيلم “المدرعة بوتيومكين” الذي قال: “لا تقل فيلمًا ملونًا؛ بل قل فيلما بالألوان”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق