أدب وفنون

على التراب نفسه كانت تقف الغابة

حيث يرفعون الآن حزمة عملاقة من أخشاب السدر والسنديان المعالجة؛ لتحمل شتاء يوجين الطويل الغزير المطر.

يرفعونها عاليًا

لدرجة أنها تكاد تلامس الغيمة المخيمة على المدينة منذ ليلة الأمس.

يصبونها في صندوق الشاحنة، ويصفقون بابها بقوة ويتأكدون من إغلاق الأقفال الضخمة

فربما فرّت الجذوع ونجت بنفسها

قبل أن يُصبّ الإسمنت فوقها ومن حولها

ولا يعود من مجال أمامها إلا الموت بصمت.

لا أحد سيغامر ويسمح بذلك.

حتى العامل المكسيكي الذي يعمل بأجر يومي، حين لا يكون مخمورًا

وعلى استعداد كامل لكسب ثمن المشروب لليلته المقبلة

هو أيضًا لن يسمح بذلك.

 

على التراب نفسه

كانت تقف الغابة.

وعشاق الطبيعة الهبيون المتمردون أنفسهم

في ستينيات القرن الماضي، يتجولون -الآن- بين الممرات

يعاينون الأسعار بعد أن استبدلوا الصنادل الخفيفة الملونة بأحذية سوداء ثقيلة، مقاومة للطقس.

كانوا ضد اقتناء او استخدام أي نوع من الأسلحة؛ حتى ولو مجرد بندقية صيد قديمة.

الآن مضطرون هم للدفاع عن أنفسهم بكل ما يمكن أن يتخيلوه من أسلحة

ولو استطاعوا لأدخلوا معهم الى المتجر رشاشات إلكترونية ودبابات.

ومع انهم لا يحملون أي نقود ورقية في محافظهم

فقط بطاقات ائتمان وإيداع بنكية،

لكنهم يتحسسون جيوبهم باستمرار.

المتشردون باختيارهم

الذين يسمون الـ “بلا بيت”

يدخنون أعقاب السجائر

التي تركها الموظفون خلفهم

بعد نهاية استراحات الغداء.

يقفون بجانب المقعد الطويل

في ركن التدخين

لا يتجرؤون على الجلوس

على المقعد نفسه المخصص لمن لهم بيوت،

وتحوّل أجورهم إلى حساباتهم البنكية آخر كل شهر.

لا يمكنهم أن يتخيلوا أن أولئك ينظرون إليهم بحسد، ويضمرون لهم الضغينة،

فبينما بمقدورهم أن يخيموا تحت شجرة

ويصغوا لصوت العصافير

ويراقبوا الفراشات

وقطرات المطر العالقة في شباك العناكب

يتحركون -هم- كعاملات النحل داخل المتجر.

يتحركون على إيقاع الميكروفونات

ويبتسمون كثيرًا دون أن تتسارع نبضات قلوبهم.

فرح من نوع غريب شفاف، كأنه سائل معقم مبخوخ في هواء المتجر.

فرح يكسبون الرزق منه

فرح سينتهي ثمنه

في جيوب المؤجرين، وشركة الكهرباء والماء، والبنوك، ومحلات البقالة

أو المستشفيات.

أحيانًا، وحين يسمح الطقس، يتجمع المتشردون وراء حزم الخشب الضخمة

المخزنة خلف البناء والمغطاة بـ “شوادر” سميكة

ريثما يتم إدخالها في سجلات المتجر والتوقيع على استلامها.

يسندون ظهورهم الى حمولات الخشب

ويحسون بدفء الغابة.

وأحينًا بحزن الأشجار.

الوقت لا يسمح للمقاولين الذين كانوا هبيين

بأن يفعلوا المثل؛ حتى ولو رغبوا بذلك

فهناك دائما زبون ينتظرهم

لإنجاز الأعمال التي وقعوا عقودًا تلزمهم بإنجازها، بحسب زمن محدد.

حركة وضجيج وصخب

أصوات تنادي بعضها بعضًا

من هو أعلى يأمر ولا يبتسم

ومن هو أدنى يطيع

ويبتسم ويلعن العالم في سره.

لكن في نهاية اليوم

يخرس كل شيء داخل المتجر

وحوله.

الموظفون والعمال والمقاولون

ومساعدوهم وعمال النظافة

والمشردون…

الجميع يغادر المكان.

جذوع أشجار السدر والبلوط المقطوعة تتهامس في ما بينها، كأنها تحيك مؤامرة.

مؤامرة خطيرة تشبه الثورة.

العناكب تتوقف وتصغي بحذر.

ربما إن نجحت المؤامرة سيكون عليها أن تبحث عن ركن جديد لنسج بيوتها.

هواتف البوليس تتبادل الإشارات.

الأقرب إلى مكان المؤامرة عليه أن يتحرك.

أمن المتجر مهدد.

أمن البلاد مهدد.

شرف العلم مهدد.

لو نجحت المؤامرة ستتساقط

نجومه

وتدوسها الأشجار

ولا أحد سيسمح بذلك.

لا أحد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق