اقتصاد

“سفر برلك”… بلاد على حافّة المجاعة

لم يصدق “سليمان م” أن اقتصاد بلاده الذي أنهكته الحرب طوال السنوات الخمس التي مضت، لن يعود كما كان، أنا لا أعرف كيف ستستمر حياتنا؟ كنت أدفع ثمن سندويشة الفلافل في أرقى المطاعم 25 ليرة، واليوم أدفع ثمنها خمسة أضعاف سعرها الحقيقي.

سليمان الذي يقطن حي المزّة، أحد أحياء دمشق الحديثة، يعترف بأسى: “كل شيء تغيّر، من الأسعار، إلى الأجور، إلى النفقات، لم يبق شيء على حاله؛ حتى الإنسان الذي يموت لم يعد بمقدور أسرته –مجتمعة- أن تشتري له قبرًا، لأن ثمن القبر أصبح يقدّر بالملايين!”.

“سورية الراهنة لم تعد تشبه نفسها” هكذا قال لي “وليد ك “، أيضًا، موظّف في دائرة حكومية، يتقاضى راتبًا لا يتجاوز 30 ألف ليرة، يعاني -أسوة بغيره- من ضائقة مالية شديدة، لا يعرف كيف يوفّق بين دخله المتدنيّ، وبين مُستحقات يتوجّب عليه سدادها مطلع كل شهر، كأجرة المنزل التي رفعها المالك من 10 آلاف إلى 20 ألف ليرة شهريًا، فضلًا “عن مصروفات الأولاد، وفواتير الكهرباء –على الرغم من انقطاعها المتواصل- والمياه، وأجور المواصلات، وثمن المازوت للتدفئة”. إذن؛ ماذا سيتبقى منه؟ يتابع: “أعتقد أن البلد في طريقه إلى مجاعة، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، تفوق مجاعة سفر برلك بعشرات المرّات، هناك عائلات لم تعد تجد ما تأكله لفقرها، وعائلات أخرى لم تعد تعرف طعم اللحم في طعامها، واستعاضت عنه بفول الصويا، هذه ليست مزحة بكل تأكيد… ففي الأسواق اليوم طُرح منتج جديد بديلًا عن اللحم، يُستخرج من فول الصويا، ويمكن استخدامه في جميع وصفات الطعام، سعر الـ كغ منه 1000 ليرة، بينما سعر كغ اللحم يتراوح بين 4000 – 4500 ليرة”.

منذ فترة، أعلنت “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا” (الإسكوا) عن وجود نحو 18 مليون سوري يعيشون تحت خط الفقر الأعلى، ولأول مرة في التاريخ الحديث، تشير “الإسكوا”، إلى احتمالات المجاعة في سورية، بعد أن فقدت 55 في المئة من ناتجها المحلي، وارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى 3 ملايين شخص.

“البلد” لم يعد بخير

الموالون والمعارضون، على حدّ سواء، يرون في الحرب الكارثية، سببًا مباشرًا لما آل إليه الاقتصاد، فقد أثّر غياب الحل السياسي، سلبًا على مقدّرات البلد، وكبّد اقتصاده خسائر فادحة، تدرّجت من انهيار قيمة العملة المحلية، إلى ارتفاع مؤشر التضخم، وزيادة الأسعار على المنتجات الوطنية والأجنبية. فضلًا عن تراجع الناتج الإجمالي المحلي من 60 مليار دولار إلى 27 مليار دولار وفق أسعار 2010، مع احتمال تراجعه أكثر هذا العام، بحسب تقرير أصدره اتحاد عمال دمشق أخيرًا.

وبخلاف اقتصادات العالم، يسجّل الاقتصاد السوري اليوم نموًا سالبًا، فتراجع احتياطي العملات الصعبة إلى 700 مليون دولار، بعد أن وصل في عام 2011 إلى 20 مليار دولار، يعكس وجود تراجع حاد في رأس المال الأجنبي والاستثمارات الخارجية، إضافة إلى تدهور خطِر في أرقام الإنتاج المحلي، بشقيه الصناعي والزراعي، واعتماد البلاد كليًّا على الاستيراد والمعونات الخارجية لردم الفجوة، وهو الأمر الذي أوقع الميزان التجاري في عجز، بلغ مقداره نحو 2.6 مليار دولار، خلال العام الماضي، بحسب صحف سورية محسوبة على النظام.

حكومة الأسد، في وضع لا تُحسد عليه، فعلى الرغم من الإحباطات التي تعيشها، ونزف خزينتها، تحاول ما أمكن ترميم الصورة، وتحسينها، مستقوية بدعم الحليفين الرئيسين لها: روسيا وإيران، غير أن الأرقام التي انتهى إليها المكتب المركزي للإحصاء -يتبع مباشرة رئاسة الوزراء– لم تعد تدعم ما كان النظام يروّج له عبر إعلامه، من أن “البلد مازال بخير”. التجارة الداخلية، بحسب الدائرة ذاتها، فقدت 967 مليار ليرة سورية تمثل 23.2 بالمئة من إجمالي الخسائر المتراكمة للناتج المحلي الإجمالي، وقطاع الخدمات الحكومية بلغت خسائره 660 مليار ليرة سورية أي ما نسبته 15.9 بالمئة من إجمالي خسائر الناتج.

كما فقد قطاع الصناعات الاستخراجية 630 مليار ليرة سورية تشكل 15.2 بالمئة من إجمالي الخسارة، أما قطاع النقل والاتصالات فقد خسر هو الآخر 585 مليار ليرة سورية بنسبة 14.1 بالمئة من الخسارة، وفقد قطاع الزراعة 483 مليار ليرة سورية، ما نسبته 11.6 بالمئة من الخسارة. بينما بلغت خسائر القطاع المالي والعقاري 236 مليار ليرة سورية أو ما يعادل 5.7  بالمئة من الخسارة الإجمالية للناتج المحلي الإجمالي.

انزياح الطبقات

يؤكد الخبير الاقتصادي “بسام ياغي” لـ (جيرون):”أن بقاء الوضع على هذا النحو، سيؤثر في واقع مختلف الطبقات الاجتماعية، حتى تلك التي تعيش خارج دائرة النار، وسيحوّلها عاجلًا إلى طبقات فقيرة، معدومة، غير قادرة على تأمين رغيف خبزها، بعد أن فقدت كل أنواع الحماية الاجتماعية”.

وأضاف ياغي: “ألحقت خيارات النظام الخطأ،  دمارًا هائلًا  في أصول البلاد العامة والخاصة، بما في ذلك البنية التحتيّة للصحة والتعليم والطاقة والمياه والصرف الصحي والزراعة والنقل والإسكان وغيرها، وأكبر دليل على ذلك مؤشرات البنك الدولي، حيث تشير إلى أن إجمالي الناتج المحلي قد تقلّص بمتوسط سنوي بلغ 19 بالمئة عام 2015 ، و من المتوقع أن يواصل الانكماش في عام 2016 بنسبة   8 بالمئة، فيما ارتفع معدل التضخم إلى 90 بالمئة عام 2013 ، ثم تراجع في عام 2015 ومن المتوقع أن يعاود ارتفاعه بنسبة  25 بالمئة خلال عام 2016 متأثرًا بتوقف حركة التجارة،  ونقص العملة المحلية، وانخفاض قيمتها.

لكن سنوات الحرب، أنتجت طبقة أثرياء، هم في الغالب من رجال أعمال النظام وشركائه، يمتلكون اليوم مفاتيح الاقتصاد برمّته، ويتحكّمون بأسعار المواد الغذائية وغير الغذائية، التي حُصر استيرادها بهم. لقد انتعشت هذه الطبقة، مستفيدة من العلاقة التي تربطها مع هياكل السلطة، ومُنحت تسهيلات كبيرة لاستثمار جوع السوريين، وسط  أوضاع إنسانية واجتماعية واقتصادية مُفجعة.

وتقدّر الـ “اسكوا”  نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر – الجوعى-  بنحو 83 بالمئة مقابل 28 بالمئة في عام  2010 ، حيث يحتاج 13.5 مليون شخص، منهم 6 ملايين طفل، إلى مساعدة إنسانية  مقابل مليون في حزيران/ يونيو 2012 ، بينهم أكثر من 4 ملايين يعيشون في دمشق وريفها ومحافظة حلب -وفق إحصاءات نهاية عام 2015- يعانون معاناة شديدة للحصول على طعامهم، بعد أن تراجع الناتج المحلي الإجمالي للزراعة بنسبة 60 بالمئة، ووصل سعر طن الطحين في دمشق إلى 444 دولارًا عام 2015 ، أي أكثر ثلاث مرات من المعدل العالمي المتمثل بـ  157,70 دولار.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق