أبحاث ودراسات

روسيا بوتين تقود حربًا في المكان الخطأ

شهد منتصف القرن العشرين صفقة أسلحة روسية وعلاقات اقتصادية، وقعها رئيس الحكومة السورية “الرأسمالي الأحمر”، المرحوم خالد العظم، وشهد صفقةً أخرى بين مصر والتشيك، نيابةً عن الاتحاد السوفياتي، وتطورت العلاقات العربية عامة، والسورية والمصرية خاصة، بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بعد الإنذار الروسي لإسرائيل بالانسحاب من سيناء، ومع توجه الولايات المتحدة لملء الفراغ الذي تركه الفرنسيون والإنكليز في المنطقة. نشأت الأحزاب الشيوعية العربية في العقد الثالث من القرن العشرين، واحتل الحزب الشيوعي السوري، وأمينه العام المرحوم خالد بكداش، مكانًا متميزًا لدى السوفيات، ودرست أعدادٍ غفيرة من الشباب السوري في الجمهوريات السوفياتية، وبعضهم تزوج من روسيات؛ ما عزز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بين سورية وأوروبا الشرقية، وشاركت روسيا في بناء سد الفرات في سورية والسد العالي في مصر، ونمت كالفطر جمعيات الصداقة السورية والسوفياتية وجمهورياته. كان لدار التقدم ومنشوراتها الرخيصة وروايات تولستوي ومكسيم غوركي ودستوفسكي والشاعر الكبير بوشكين، قبل ثورة 1917، وكتابات لينين ودفاتره الفلسفية، وكتابات بوخارين، وغيرهم منذ ثورة 1905، دورًا تثقيفيًا مهمًا، وتعرف الأدباء العرب إلى الأدب الروسي “الواقعي”، وفي الجمهوريات السوفياتية وتبناه بعضهم.” بطرسبورغ” وصمودها “الأسطوري” بوجه حملة نابليون وعودته مهزومًا، يجر بقايا جيشه أمام أسوارها، ومقاومة الشعب الروس وثلوجها، ألهمت هذه المدينة الثوار والمناضلين العرب في حروب الاستقلال من الجزائر وعُمان وسورية ومصر، وانتصار الجيش الأحمر في لينين غراد (بطرسبورغ) في الحرب العالمية الثانية، ودحر فرق هتلر، الذي لم يتعلم من تجربة نابليون، وكان هذا الانتصار انتصارًا لنا ودرس تعلمناه من الشعب الروسي، ونعتقد بأن الرئيس الروسي نسي حق الشعوب في مقاومة المحتلين.

في مرحلة الحرب الباردة، كنا مع الاتحاد السوفياتي بعد ثورة 1917، لكننا لم نكن مع سباق التسلح بين القطبين، كنا مع التحالف الاستراتيجي بين شعوب الاتحاد السوفياتي والشعوب العربية، تحالف لم يتعارض مع موقف جمال عبد الناصر ومؤتمر “باندونغ” والحياد الإيجابي، ولعب “الجنرال سام” دورًا مهمًا في حرب تشرين عام 1973 غير التحريرية.

لكننا لم نكن مع الحزب الواحد والقائد الخالد ودولة الاستبداد والأمين العام المؤبد، فهي الصورة الأصل لما شهدته منطقتنا العربية، خاصة في عراق صدام حسين، وسورية حافظ الأسد، الذي وأد جنين دولة ما بعد الاستقلال، بل أتت الصورة الفوتوغرافية مشوهةً ومسخًا للأصل، على علّاته، فقد أتت إلى مجتمع وبلدان التأخر التاريخي، بدءًا من أمناء العامين للأحزاب الشيوعية وغير الشيوعية العربية، ممثلةً بخالد بكداش الذي ورثته زوجته وصال وابنهما عمار… هذا مهد الطريق لأنظمة الاستبداد الشمولي، وغيب الحريات العامة والفرد المواطن الإنسان، وحول النظام الجمهوري إلى وراثي . فوجئنا ورحبنا – يساريين ومثقفين- في آن واحد، برسالة الأمين العام للحزب الشيوعي الروسي خروتشوف إلى المؤتمر العشرين للحزب عام 1956، تضمنت تصفيات وقتل ستالين قافلة طويلة من كوادر الحزب وأعضائه، لكن بنية الحزب الستالينية والدولة أبعدت خروتشوف، وعادت لتحكم الاتحاد السوفياتي بدون ستالين، وفيةً لدولة الاستبداد، وتغييب الشعب والطبقة العاملة والحزب.

انتقدنا القضاء الهمجي في وأد ربيع براغ في التشيك عام 1968، من الجيش الروسي، وكان أمام الشعب الروسي الصديق مواجهة الغرب، لا ببنية دولة الاستبداد، ليكون أكفأ وأقدر على مواجهة غرب الاستعمار والنهب، لا غرب الحضارة والحداثة والتقدم والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، غرب تطور العلوم الإنسانية وثورة المعلوماتية والدولة المدنية ومفاهيم الثورة الفرنسية.

رحبنا بربيع أوروبا الشرقية وسقوط جدار برلين، وأنظمة الاستبداد الملحقة بروسيا، وعودة شعوبها لمبادئ الثورة الفرنسية، ودولة القانون وتداول المسؤولية والسلطة، لكن ربيعنا تأخر عن ربيع أوروبا ربع قرن، وعن ربيع براغ نصف قرن، وعن ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، أيّدنا طروحات غورباتشوف ومشروع التعايش السلمي بين الشعوب والأمم، وإطفاء بؤر التوتر في العالم، ووقف سباق التسلح بين قطبين امتلكا أسلحة دمار شامل كافية لتدمير الكرة الأرضية، بيتنا المشترك وضيعتنا المشتركة، لكن بنى الاستبداد انقضّت على غورباتشوف ومشروعه، ولم ترَ الاستبداد الذي ينخر في جسد روسيا والجمهوريات السوفياتية، مع أن حركة دبت في المجتمع من العلماء والأدباء والمفكرين والمبدعين، محذرة من المصير المحتوم لهذا التنين العملاق، ولاشك في أن توسع مهمات حلف الأطلسي خارج حدود الغرب، وبقاءه بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وسقوط حلف وارسو، والحروب التي شنتها الولايات المتحدة، التي أتت خارج الشرعية الدولية، عززت التعصب القومي الروسي وعودة الستالينية في شخص بوتين. ليس مفهومًا تدخل روسيا العسكري في سورية، ومنع الشعب السوري من بناء دولة مدنية بدل دولة الاستبداد القائمة، كما تحررت منه دول أوروبا الشرقية وروسيا، لقد وقفت الطبقة العاملة الروسية وملايين أعضاء الحزب الشيوعي ودولة المخابرات، وبوتين أحد رجالها، متفرجين على سقوط وانهيار دولة الاستبداد. الرئيس بوتين: لمَ دفعت أساطيلكم البحرية والجوية إلى سورية، وأخذت تدمر مدنها وأم التاريخ حلب، وتستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية من مستشفيات ومدارس أطفال، واستخدمت حق النقض مرات دفاعًا عن “النظام السوري”؟

وقف الشعب السوري والعربي مع حق شعوبكم في تقرير مصيرها، وبناء دولها الديمقراطية، ومع سيادتها الوطنية، لا لتعود نازيَّ وفاشيَّ القرن الواحد والعشرين، وتجعل من سورية حقل تجارب لأسلحتك وقذائفك المحظورة دوليًا، وحلبة استعراض لعضلاتك.

كان العالم ينتظر روسيا دولة عظمى، تحافظ على السلم العالمي، وترعى وتحرص على الشرعية الدولية، لا أن تنتهك السيادة الوطنية السورية، فـ “نحن شعبٌ صديق للشعب الروسي “العظيم””.

كشفت أوراقك أيها الرئيس بهذه الوحشية والغرور تجاه الشعب السوري، باني الحضارات، إنك لا تستطيع مواجهة الغرب بهذا الإجرام في أوروبا الشرقية، وفي أوكرانيا، تستهدفنا من أجل رفع العقوبات الاقتصادية، ولم تحارب -يومًا- الإرهاب في بلدنا الغالي، بل لتحافظ على ابتلاع جزيرة القرم، وتطمح بتناول أوكرانيا كلها، وتوقف حركة الصواريخ الموجه نحوكم.

تنتظر الإنسانية في هذا العصر تعدد أقطاب على الصعيد الدولي، أقطاب كبارًا فكرًا وقيمًا وأخلاقًا وقوة، ليسود السلام والمحبة بين الشعوب، كما بشر بها السيد المسيح ومحمد الرسول والديانات كافةً، وسيدق الربيع أبواب موسكو بعد تعثره في سورية.

يدفع الاستبداد والعدوان العسكري الروسي والإيراني وجحافل الشيعة مجتمعنا، ليكون حاضنةً للإرهاب، وأن تلوذ برب السماء، لتتخلص من “أربا” الأرض القتلة والظالمين، لا يغطي جرائمكم استدعاء حاكم دمشق، ولا موافقة برلمانكم، وما تفعلونه هو الإرهاب المعتق.

أيها الرئيس، حربك المتوحشة في سورية لها طعم أهداف شخصية، ترضي غرورك، ولا تغطيها غايات التعصب القومي، إنك حولت الشعب الروسي “الصديق” والجيش الروسي إلى قوى احتلال عسكري، تفرض علينا مقاومة الاحتلال والعدوان، وسندافع عن حقنا في بناء الدولة المدنية في سورية، الموحدة أرضًا وشعبًا، دولة لمواطنيها كافة.

رجال سورية ومناضلو الاستقلال والثوار، من سلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانو وعبد الرحمن شهبندر وفارس الخوري وهاشم الأتاسي والشيخ صالح العلي والشهيد يوسف العظمة..، “تعلموا” من مقاومة الشعب الروسي في بطرسبورغ عندما هزموا جيش نابليون وبعده جيش هتلر النازي.

أليس حزب الله، وأبو الفضل العباس، والحرس الثوري، والحشد العراقي، صنو الدولة الإسلامية (داعش). واستهداف مدنيي سورية بأسلحة الدمار الشامل أليس إرهابًا؟ طموحنا كسوريين بمستوى طموح الشعب الروسي وبلدان أوروبا الشرقية، لنشيد الدولة المدنية، وسنضع أقدامنا على سكة التقدم والحداثة، أسوةً بشعوب العالم.

إن روسيا بوتين تقود حربًا في المكان الخطأ، وغير مشرفة، وتمسح بيدها العسكرية تاريخ الشعب الروسي “العظيم” ومقاومته لمحتلي أراضيه، وتشطب من ذاكرة الشعوب “دور الاتحاد السوفياتي في مساعدتها بمقاومة المحتلين والمعتدين”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق