مقالات الرأي

هل ستُهزم الثورة السورية؟

المهللون لـ “انتصارات” جيش الأسد، المدعوم من الآلة الحربية الروسية بكل جبروتها، وبأحدث أسلحتها التي “تجربها” لأول مرة في سورية، والذي تقاتل إيرانُ وميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية وغيرها بدلًا منه، هؤلاء المهللون يتوهمون أن القضاء على الثورة السورية بات قاب قوسين أو أدنى، ذلك؛ لأنهم لا يقرؤون التاريخ، ولا يعرفون أن الشعوب الثائرة لا يمكن أن تُهزم، وأنها، في النهاية، هي التي تنتصر.

الثورة السورية ليست هذا الفصيل المسلح أو ذاك. وليست هذه المؤسسة من مؤسسات المعارضة أو تلك. بل هي تلك الجماهير الهادرة التي ملأت فضاء مدن سورية وبلداتها بشعاراتها التي عبرت عن وجدان ومصلحة كل سوري، هي أولئك الذين هتفوا ملء حناجرهم: “حرية… حرية”، “الشعب السوري ما بينذل”، “واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد”. أما أن يتنطّح بعض الانتهازيين أو المتطرفين لقيادة الحراك الثوري، وأما أن تمر مسيرة الثورة بإخفاقات وتراجعات، وأما أن تطول مدة الصراع قبل تحقيق النصر …؛ فهذا ما عرفته الثورات العظيمة -كافة- عبر التاريخ.

هل يتصور عاقل حقًا أن يعود نظام الأسد، بكل بشاعاته وجرائمه، وبكل الأدوات التي استخدمها لممارسة فساده واستبداده، للتحكم بالسوريين مرة أخرى؟!

لقد عدّدتُ في مقال سابق (لِمَ التمسك برحيل الأسد، جيرون، 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2016) المصائب التي ستحلّ بالسوريين، وبالعالم أجمع، في حال بقاء الأسد في الحكم. وطرحت في نهاية المقال السؤال: “هل يتصور أحد في العالم أن الثوار الذين ضحوا ويضحون بدمائهم كل يوم، والسوريين الذين هُجّروا من مناطقهم وبيوتهم، وأولئك الذين فقدوا أبناءهم أو أزواجهم أو آباءهم في حرب الأسد على الشعب السوري، وأولئك الذي دُمرت بيوتهم وفقدوا أموالهم وممتلكاتهم، وأولئك الذين قبعوا أو قبع أفراد عائلاتهم في سجون الأسد، ولاقوا أبشع أنواع التعذيب فيها… وغيرهم، وغيرهم، ممن طاولتهم وحشية الأسد وطغمته، هل يتصور أحد في العالم أن أيًا من هؤلاء سيصفح يومًا عن أولئك السفاحين، ويقبل العيش في بلد يحكمونه؟!”.

وجوابي: بالقطع لا. فحتى لو تمكنت آلة الحرب الروسية، والوسائل الهمجية التي يتبعها جيش الأسد وحلفاؤه في القتل والتدمير والتهجير…، من إخضاع بعض مناطق الصراع المسلح، ولا سيما تلك التي يُتخذ من وجود إرهابيين ومتطرفين فيها ذريعة لاستخدام تلك الوسائل الوحشية؛ فإن هذا لا يعني سوى مرحلة موقتة لن يتوقف عندها الثوار السوريون طويلًا. سيتعلمون من تجاربهم، وسينتقلون إلى أساليب ووسائل أخرى في صراعهم من أجل الحرية والكرامة، كما فعل غيرهم من الثوار في بقاع الأرض المختلفة.

سيتعلم الثوار السوريون عدم التعويل على أي دعم خارجي، ولا سيما من الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الغربية التي سمت نفسها “أصدقاء الشعب السوري”. سيعرفون أن إدارة أوباما أو ترامب أو أي إدارة أميركية أخرى، لن تلقي بالًا لمعاناة الشعب السوري، بل ستبحث عن مصالحها، وسيعرفون أن الرئيس أو الكونجرس أو وزارة الدفاع في الولايات المتحدة يهتمون، بالدرجة الأولى، بمصالح ومواقف جهات ثلاث: الشركات الكبرى والطغمة المالية، وإسرائيل واللوبي الصهيوني المساند لها، والرأي العام الأميركي الذي تصنعه، إلى حد كبير، وسائل الإعلام الممولة من الجهتين: الأولى والثانية. أما “القيم الأميركية” التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان وما شابه، فتأتي في آخر سلم أولويات الإدارة الأميركية، ديمقراطية كانت أم جمهورية، برئاسة أوباما أم برئاسة ترامب.

سيتعلم الثوار أن الإدارة الأميركية تحسب حسابًا لقوى مثل روسيا والصين، التي سيكون خوض صراع معها عالي الكلفة، أكثر من حسابها لقوى مثل السعودية، أو حتى تركيا، حيث يمكنها دائمًا إيجاد وسائل للضغط عليها، أو مراعاتها ببعض الكلام المعسول، أو الصفقات التي قد ترضيها، دون أن تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة.

لا أود -هنا- أن أقلل من شأن الدعم الدولي للثورة، ولا من شأن الرأي العام الذي يتأثر، على الرغم من هيمنة الطغمة المالية على وسائل الإعلام، بالأحداث الكبرى في العالم؛ فقد أظهرت دراسات عديدة، أجريت في الولايات المتحدة نفسها، أن جرائم الإبادة الجماعية -مثلًا- تلقى استجابة عالية من الرأي العام، بحيث يطالب حكومته بالتدخل، حتى عسكريًا، لإيقاف تلك الجرائم (لنتذكر التوتر الذي نشأ في العالم كله بعد استخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، والثمن الذي أَرغمت روسيا النظامَ على دفعه لتفادي الضربة الأميركية)، كما أن حالات ذات طابع إنساني عاطفي (كحالة الطفل الغريق الذي ترك على الشاطئ) تترك آثارًا عميقة لدى الناس في كل مكان. والثوار يتعلمون -تدرّجًا- كيف يستغلون مثل تلك الحالات؛ لكسب دعم الرأي العام العالمي.

سيتعلم الثوار أن المحافظة على أهداف الثورة ومبادئها شرط حاسم للنصر وتحقيق تلك الأهداف، وأن الانجرار وراء شعارات طائفية أو متطرفة، تلبس لبوس الدين الإسلامي، لا يجلب دعمًا للثورة، بل، على العكس من ذلك، يحرف الثورة عن أهدافها، ويجعلها مطية لأمراء الحرب المتاجرين بالشعارات الدينية، فضلًا عن أنه يقدم الذرائع لأعداء الثورة للانتقام منها وإجهاضها، وسيتأكد الثوار من أن “الدعم” الذي يجلبه مثل ذلك الانجرار وراء التطرف، لن يكون سوى وبالًا على الثورة، وعائقًا في طريقها.

وسيتعلمون أن الثورة بحاجة إلى برنامج عملي تفصيلي، في الشؤون السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية، وأنها في مسيرتها الطويلة والمعقدة، ستفرز الغث من السمين، وستنجب القيادة التي تسير بها نحو تحقيق أهدافها: نحو بناء سورية الحرة لكل أبنائها، دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، دولة المؤسسات التي تتجاوز الأفراد والأيديولوجيات، وتقف على مسافة واحدة من جميع العقائد والأديان والمذاهب، وتضمن العيش الكريم لكل سوري، بغض النظر عن جنسه أو انتمائه الديني أو الطائفي أو المناطقي أو الإثني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق