مقالات الرأي

عن معاوية وعلي!

لن أعتذر عن استخدامي لاحقًا لمفردات تحمل توصيفًا طائفيًا، على طريقة مثقفينا عندما يريدون الكلام عن “الطائفة الكريمة” وملحقاتها من الطوائف، أو عن الأكثرية والأقلية، فأنا استخدمها عن سابق تصميم وإدراك؛ لأن الواقع الذي نُحاول أن نخفيه بقشة من التبن، أكبر من أن نتجاهل رؤيته، حتى لو كنا عميانًا، ولا بدّ من فكفكته، ولتحقيق ذلك، يجب توصيفه كما هو في الحقيقة، وليس كما هو في أذهاننا.

في سبعينيات القرن الماضي، كانت الساحة السورية تغلي بكل أنواع الأفكار التي تبحث عن حل سياسي تجعل “الأسد” باقيًا إلى الأبد، أو أن يتخلى، طوعًا أو بالقوة عن حكم سورية. وقد تجلت الترجمة الدموية لتلك الأفكار في افتعال الصراع بين “اليمين” و”اليسار”، احتكرت فيه دولة الأسد موقع اليسار، و”الطليعة المقاتلة” موقع اليمين داخليًا، أما خارجيًا، فكان السماح للأسد، إسرائيليًا وأميركيًا، بالتدخل العسكري في لبنان، تحت غطاء عربي. هذا ما كان في العلن، أما غير المعلن، فكان المجتمع السوري كله، والذي اعتقله حافظ الأسد برمته، ووضعه في سجونه بانتظار ترويض “نموره في اليوم العاشر” أو السنة العاشرة.

في تلك الفترة كنت صديقًا وتابعًا سياسيًا، ومُلازمًا لأحد اللاعبين السياسيين اليساريين من أصول علوية، وكان يحلو له أن يُكرر القول، وخاصة بحضور شباب علويين، إنه مع “معاوية” ضد “علي”، لأن التاريخ يقول: إن منطق “معاوية” هو الذي سينتصر، وليس “علي”، فأخلاق “علي” مثالية، لم يستطع المقربون منه تحمّلها، فكيف سيتحملها التاريخ. وهكذا “انحاز” التاريخ إلى مائدة “معاوية”، أما “الأقلية” التي تُؤمن بالقيم المثالية، فقد انحازت إلى صف “علي”، ووقفت للصلاة وراءه.

كان ذلك التصريح والتفسير يستفز شبابًا عاشوا حياتهم، وهم يعدَون “عليا” معصومًا عن الخطأ، على الرغم من يساريتهم، التي استطاعوا جعلها تتصالح مع “مثالية” علي وأبي ذر الغفاري، فكانت ثورة القرامطة هي مثالهم الأعلى، وغيفارا هو المشعل الذي يُنير دربهم. ولما كانوا مشغولين بالصلاة وراء “علي”، فإنهم لم يلحظوا أن حافظ الأسد قد جلس إلى مائدة “معاوية”، على الرغم من كرهه له، والتهم كل شيء تقريبًا، بما في ذلك جماهير “معاوية”.

مع مرور الوقت، ومع العمل الدؤوب، استطاع حافظ الأسد بناء بيت لحكمه الطائفي، ناشرًا، في أوساط العلويين الفقراء أن البيت بيتهم، وأن مصيرهم مرتبط بقدرتهم على حمايته والدفاع عنه، وفي أوساط اليسار العالمي أن نظامه هو قلعة المقاومة والصمود، وفي الأوساط الغربية أنه يُمثّل “السد الحضاري” في مواجهة “التخلف الإسلامي”؛ الحاضن للإرهاب، فقد نقل لي أحد الأصدقاء العلويين، الذي خدم ضابطًا مجندًا عند “علي دوبا” عام 77، أن الأخير قد جمع هؤلاء الضباط قبل تخرجهم، وقال لهم: يجب أن تعرفوا أننا نبني دولة يجب، على الأقل، أن تعيش خمسين عامًا؛ لذلك يجب السيطرة على جميع المواقع الحساسة في الدولة.

كانت سياسة حافظ الأسد، طوال فترة حكمه، أن يجعل البيت الذي بناه، يبدو وكأنه مهدد بالسقوط، من أعداء وهميين، أو أعداء خلقهم بيديه؛ كي يكون عنده المبرر الدائم للضغط على المجتمع، من جهة، ولجعل العلويين وقودًا لحكمه، من جهة أخرى، فقد تعلم من التاريخ، وكان ماهرًا في ذلك، أن أي حُكم في العالم لا أحد يستطيع إسقاطه، من الداخل، إذا التف حوله عشرة بالمئة من عدد السكان، وكان قد ضمن “الخارج”، دون أن ينسى، قطّ، المتاجرة بعلي ومعاوية.

روى لي مهاجر إيطالي عجوز في الثمانين من العمر الحادثة التالية، التي جرت معه عندما كان مراهقًا في إيطاليا، قال: كان عمي معلم عمار (معمرجي)، في قرية فقيرة من قرى الجنوب الإيطالي، وكنت أساعده في عمله في أغلب الأحيان، لقاء لقمة البطن، وكان في القرية أرملة ورثت عن زوجها بعض الأملاك؛ ما جعلها أحسن وضعًا من وضع كثير من عائلات القرية. وكانت تطلب خدمات عمي بين وقت وآخر، وخاصة في فصل الشتاء، حيث الأمطار كثيرة؛ ما يؤدي إلى تسرب الماء إلى البيت ذي السقف الطيني الذي تملكه الأرملة، وكان الأجر معروفًا في كل مرة، فبعد كل زيارة: كانت ربطة من المعكرونة مخصصة لعمي كأجر، وهي كافية لتسكيت جوع أطفاله.

أحد الأيام، كان عمي مشغولًا عندما أرسلت الأرملة في طلبه، فقال لي: اذهب إليها وحاول مساعدتها..  تابع العجوز الإيطالي روايتة لي: ذهبت إلى بيت الأرملة، وكان المطر غزيرًا، فدلّتني على مكان تسرب الماء من السقف، وقالت لي إن عمي دائمًا يُصلح هذا الثقب، ولكن مع كل موسم مطر يبدأ تسرب الماء من جديد. تفحصت المكان، وكان عمري وقتها 16 عامًا، ثم قمت بإصلاح السقف كما يجب، مستغربًا، في الوقت نفسه، كيف أن عمي لم يُحاول ولا مرة إصلاح هذا الثقب جيدًا، وهو المعلم الشهير في القرية والقرى المجاورة. أعطتني السيدة ربطة المعكرونة وقالت: بلّغ عمك شكري. عدت إلى عمي ورويت له ما حصل، فقال: لقد أغلقت الثقب كما يجب، شكرًا لك، ولكنك حرمتنا المعكرونة أيضًا نهائيًا.. عليك يا ولدي، عندما يكون أحدهم بحاجة لخدماتك، وأنت بحاجة لماله، ألا تُنهي عملك أبدًا معه، وإلا فإنه سيتحرر منك، وتخسر أنت مصدر رزقك.

أخيرًا، يمكنني القول إن نظام الأسد، استطاع إتقان لعبة (المعمرجي) الإيطالي، كما استطاع إتقان لعبة التنقل بين “علي ومعاوية”، بينما المعارضة السياسية والعسكرية قد فشلت فيهما معًا.

فهل يحق لنا أن نحلم بقيادة سياسية وعسكرية تُتقن اللعب السياسي لما فيه مصلحة الثورة والشعب السوري والوطن السوري!؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق