قضايا المجتمع

القرداحة.. النظام ينتقم من ضباطه بالحرائق؟

دائمًا يفاجئ النظام السوري أتباعه بسخاء يده وكرمه المُختلف عن كل كرم، وبمكرماته التي لا تنتهي عند مصيبة معينة أو حدث، فمن مكرمات الأعياد ببضعة مئات من الليرات السورية للموظفين المغلوبين على أمرهم، حيث يفتح لها برامج ثقافية واقتصادية وسياسية ونضالية، ويستقدم متخصصين بالكلمة والرأي على إعلامه، ليتغنى بها ويسوّق لنفسه، إلى مكرمات زيارة مسؤوليه أسر القتلى، وتوزيع بعض الهدايا العينية في احتفالات تفتقر إلى أدنى حالات الاحترام للمشاعر الإنسانية، فقد قدّم الماعز، وبطاقات الباص، وساعات الحائط، والبطانيات وهكذا، ليطلّ الآن على مواليه بتقديم سلّة غذائية؛ تعويضًا عن حرائق التهمت أراضيهم في محيط مدينة القرداحة، منبت المكرمات، وصاحبة براءة اختراعها.

وفي هذا السياق، ذكرت مواقع موالية للنظام، أن محافظة اللاذقية وزّعت نحو 380 سلة غذائية، على الأهالي والأسر المتضررة من الحرائق التي اندلعت الشهر الماضي في ريف مدينة القرداحة، حيث نقلت وسائل إعلام النظام عن محافظ اللاذقية، إبراهيم خضر السالم، قوله: إن هذه المساعدات “كانت بالتعاون مع منظمة الهلال الأحمر، بعد إحصاء المتضررين، حيث تم -أيضًا- تأمين عقد عمل لمدة شهر واحد، لكل أسرة متضررة من الحرائق، التي انحصرت أضرارها في الممتلكات الزراعية”.

وكانت الحرائق اندلعت خلال تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، في أكثر من موقع من الغابات المجاورة لمدينة القرداحة، واستمرت لعدة أيام متتالية، وأتت على مساحات واسعة من الغابات والبساتين، مع خسارة عدد كبير من الأشجار الحراجية والمثمرة، وذكرت وسائل الإعلام المحلية حينذاك، أن النظام استنجد بالقوات العسكرية الروسية الموجودة في مطار حميميم، لمساعدته في السيطرة على الحرائق؛ إذ امتدت النيران إلى جبل العرين في ريف القرداحة الشمالي، وكذلك في الغابات المحيطة بقريتي بيقلون والقلمون وغيرهما، وبحسب الصفحات المحلية، فقد طالت النيران عدة منازل، وذلك بعكس ما صرّح به المحافظ، كما التهمت النيران “ما يقارب 50 موقعًا في ريف اللاذقية وجبلة والقرداحة”، وتسببت بنزوح عدد من الأسر إلى مناطق ثانية، وذكر بعض المواطنين على شبكات التواصل الاجتماعي، أن الخسائر قد تبلغ عشرات ملايين الليرات، ليأتي النظام ويعوّض بسلّة غذائية لا يتجاوز سعرها بضعة آلاف من الليرات السورية. ويتّهم أهالي المنطقة سماسرة تجارة الأراضي والعقارات، وبائعي الفحم الذي يسوّقونه للتدفئة والأفران وغيرها، بافتعال الحرائق.

إلى ذلك أشار المهندس محمد عدنان من “حركة سوريا السلام”، لـ(جيرون) إلى أن “النظام هو من افتعل تلك الحرائق مباشرة”، ويعدّها واحدة من جرائمه المتعددة، وذلك “مع سابق الإصرار والترصد، خاصة بالنظر إلى أوضاع أصحاب ومالكي بعض الأراضي والبساتين”، ويؤكد عدنان أن معظم المتضررين هم “ضباط أمن برتب عالية، كانوا على وشك القيام بعمل عسكري يُنهي النظام”.

وأوضح أن ذلك التخطيط “لم يكن بحس ثوري، وإنما انتقامًا لما تعرّضوا له من إهانات وتهميش وإقصاء، باقتحام ضباط إيرانيين وروس لكل الإدارات الأمنية وقيادة الجيش، والسيطرة تمامًا على كل مراكز الدولة”. لافتًا إلى أن ما جرى عبارة عن “عملية انتقام من النظام وتهديد لهم”، إذ “لم يجد أمامه إلا القيام بهذه العملية، تجنبًا لأي عمل آخر قد يُفقده الحاضنة الشعبية في تلك المنطقة، ومن جهة أخرى، يقوم بإلصاق التهمة بالثوار، على أنهم إرهابيين يقتلون ويحرقون، إضافة إلى استغلالها بمطالبته المنظمات والجهات الدولية بالتعويضات، ولهذا أسماها سلال غذائية”.

ويرى محمد عدنان أن هذه الممارسات من النظام، بحسب عادته، يمكن عدّها بمنزلة “تهديد وتحذير لكل من يُفكّر بالتمرد عليه، وعلى قراراته، حتى من أقرب المقربين له من حاضنته”.

وكان أهالي المنطقة انتقدوا تباطؤ عملية إطفاء الحرائق، وأشاروا إلى أن “مرافقة بعض الشخصيات المتنفذة والمعروفة بالمنطقة، هم من أشعلوا النيران”، وأن تعدد المواقع التي نشبت فيها الحرائق، قد “يدل على أن هنالك عمليات انتقائية محددة”، ولكن حركة الرياح فعلت فعلها، وساهمت بانتشار الحرائق بهذا الشكل الواسع.

وقال سليمان الجبلاوي، أحد أبناء منطقة جبلة، لـ (جيرون) إن الأهالي “يعدون التعويض محاولة إلهاء لهم عن المطالبة بكشف الفاعلين، وقد طالبوا بعرض نتائج التحقيقات عليهم، والنظام لم يستجب، وهذا التعويض لا يمكن أن يكون مقبولًا لمن خسر مساحات كبيرة من الأشجار، التي أخذت جزءًا كبيرًا من عمره، وهو يعتني بها”.

واضاف الجبلاوي أن أهالي اللاذقية “تعوّدوا على هذه الحرائق المفتعلة، وكثير منهم يعرف مرتكبيها، لكن لا أحد يستطيع ذكر أسمائهم، خوفًا من الانتقام، وحتى هذه السلال الغذائية البسيطة، هي استهتار بالناس، ولم تعد المسألة مسألة أرض، فالأسر خسرت أبناءها؛ لأجل بقائه(الأسد) لا بقائها، وهو يتجاهلها، وكثير منها يحتاج إلى أي شيء يسد رمقه، فهنالك أسر عديدة لم يعد لديها مُعيل”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق