هموم ثقافية

جراحٌ مفتوحة

لم أجد في ما كتب الصديق غسان الجباعي، قبل أيّام، بعنوان “شقيقة أم انفصام!؟” محاولة منه للسخرية من نفسه -كاتبًا ومخرجًا مسرحيًّا- ولا اعترافًا بخطيئة ارتكبها بحقّ الفن والفكر والثقافة؛ وذلك؛ لأنه ارتضى أن يُغيّر المكان في نصّه المسرحيّ الأحبّ إليه من سجن تدمر الرهيب، إلى سجن للعدو الصهيوني، لينال الموافقة على العرض.

لقد وجدتُ فيه بوحًا نبيلًا، صميمًا، وصادقًا عن تجربة أُكرِه على خوضها، فبقيتْ جرحًا مفتوحًا في ذاكرته ووجدانه الحيّ. الأصحّ أن مقاله شهادة على الحياة الثقافية التي عاشها وعانى منها مثقَّفو سورية برعاية باني سورية الحديثة -بكلّ البجاحة والوقاحة- حافظ أسد.

ولعلَّ مادة غسان تُضاف -بجدارة- إلى شهادات عديدة جدًا من كتَّاب وفناني سورية، كان الصديق الكاتب خطيب بدلة -مشكورًا جدًا- قد جمعها وأعدّها، ثمّ أصدرها في كتاب بعنوان “حكايات سوريّة (لها علاقة بالاستبداد)” العام الماضي.

وسواء ما جاء في شهادات الكتاب هذا، أو في شهادة غسان (أو في ما سيُنشر في الجزء الثاني من الكتاب الذي جمع خطيب مادته، ويعمل الآن على إعداده)، فإنَ وصمة العار والخزي والوحشيّة هي في وجه الطغيان -حصرًا وتحديدًا- الذي حكم منذ 1970 إلى اليوم، واستبدَّ -في جملة ما استبدَّ- بالحياة الثقافية، التي حاصرها وكتم أنفاس المبدعين فيها، بحيث لا تكون في عِداد الأحياء لتزدهر وتضاهي بما لمثقَّفي البلد من رفعة إبداع، ولا هي في عِداد الموتى لتُدفن وتفضح السلطة.

وعندي، فإنَّ أهمَّ ما في الشهادات جميعها، كون موضوعاتها وأشخاصها ووقائعها المختلفة -المؤرَّخة، والموثَّقة بالأسماء والأماكن- حدثت قبل قيام الثورة، أي: “أيّام اللولو” -على حدّ التعبير الدارج- التي كانت عليها سلطة الطغيان.

والآن، لعلّ السؤال الوحيد الذي يجب وضعه برسم كتابات مائعة، لا تني تقسم “بيدر” مسؤوليّة راهن الأوضاع الآن مناصفة وبالتساوي بين الطغيان الحاكم، والإرهابيين المسلّحين، هو: إذا كانت هذي حال السلطة قبل الثورة، فكيف يمكن أن تكون عليه حالها، وقد هبَّ المستعبَدون المقهورون في وجهها ووجه كل أدوات قمعها؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق