مقالات الرأي

في “زفرة” منذر مصري “ليتها لم تكن”

أثارت “الزفرة” التي كتبها منذر مصري بعنوان “ليتها لم تكن” ردود فعلٍ متنوعةٍ، تراوحت بين التأييد والرفض المطلقين أو شبه المطلقين. وإذا كانت “الزفرة” عمومًا، وتلك النابعة من “روحٍ نازفةٍ وقلبٍ معصورٍ”، وضمير حرص صاحبه على أن يبقيه “حيًّا أمينًا وحرًّا” –كما جاء في “زفرته الثانية”– تستحقٌ كل تفهمٍ وتعاطفٍ ممكنين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية الاتفاق مع صاحبها على كل، أو حتى بعض، ما تضمنته “زفرته”، فالنيات الطيبة والغايات الكافية ليست كافية، معرفيًّا على الأقل. ومن هنا ضرورة التدقيق في زفراتنا عمومًا، وفي تلك التي تتجسد في نصٍّ قابلٍ لقراءاتٍ وتأويلاتٍ متنوعةٍ، بحيث نعمل على توضيح أفكارنا وتدقيقها وإزالة العوامل الموضوعية لسوء الفهم أو عدمه، قدر المستطاع. وعلى العكس من الاختلافات/ الخلافات الزائفة بين طرفين لا يفهم أحدهما الآخر، يكون الاختلاف/ الخلاف المتأسس على فهمٍ واحدٍ مشتركٍ اختلافًا/ خلافًا “حقيقيًّا” يمكن البناء عليه والاستفادة منه معرفيًّا. وانطلاقًا من هذا التمييز بين الخلافات/ الاختلافات المعرفية “الزائفة” و”الحقيقية”، سأحاول -في ما يلي- أن أبين وجود نوعي الاختلافات/ الخلافات المذكورين في النقاشات التي دارت بين منذر مصري ومنتقديه.

ما المقصود بهاء “ليتها”؟ لوهلةٍ أولى أو أكثر، يبدو أن “الهاء” تعود هنا إلى الثورة السورية؛ وعلى هذا الأساس، يبدو منطقيًّا أن ينقد، بل وأن ينتقد، هذه “الزفرة” كل من يرى أن هذه الثورة كانت -وما زالت- ضرورةً وجوديةً وتاريخيةً وسياسيةً وأخلاقيةً مطلقةً، من العبث والخطأ أو حتى الخطيئة تمني عدم حصولها. لكن الأمر بحاجةٍ إلى كثير من التدقيق، لأن مصري لم يقل “ليت الثورة لم تكن”؛ يضاف إلى ذلك أنه في زفرته الثانية التوضيحية، أكد أنه لم يقصد “بالهاء” “الثورة كلها، من بدايتها لنهايتها”، وأن زفرته لا يوجد فيها كلها، “ليت الشعب السوري لم ينزل للشوارع ويتظاهر، ولا يوجد فيها، ليته لم يطالب بحقه في الحرية والكرامة والعدالة”. ما يتمنى مصري لو أنه لم يحصل هو جزءٌ من الثورة، لا كلها: هو الجزء الذي لا يتضمن نزول الشعب إلى الشوارع والتظاهر والمطالبة بحقه في الحرية والكرامة والعدالة. ويبدو أن الجزء المقصود المدان هو ذاك الذي بدأ يتغلب فيه الطابع المسلح على الطابع السلمي للثورة. لكن هل يمكن الفصل بين الاثنين؟ وهل كان بإمكان حصول الجزء الأول و/أو استمراره، بدون الحصول اللاحق للجزء الثاني؟ وإذا كان ذلك ممكنًا لِمَ لمْ يتحقق؟ ومن المسؤول عنه؟

قبل تناول فكرة المسؤولية التي لا يحبذ مصري، في “زفرته” الأولى، مناقشتها، ويتناولها مضطرًا في”زفرته” الثانية، لا بد من الإشارة إلى أن توضيحات مصري تشير إلى أن الـ “هاء” تعود بالدرجة الأولى، على النتائج لا الأسباب. فهو يتمنى لو أن كل هذا “القتل والتشريد والدمار” لم يحصل. لكن، هل يمكن أن يوجد عاقل ضد هذا التمني، أو هذه الـ “ليت”. من المؤكد أنه لو صاغ مصري زفرته بطريقةٍ تبين بوضوحٍ أنه يتحدث في أمنيته، تحديدًا وحسب، عن “القتل والدمار والتشريد” الذي حصل ويحصل في سورية منذ سنواتٍ، لما اختلف معه معظم من انتقده. فهذه الأمنية محط إجماعٍ، تام أو شبه تام، على المستوى النفسي والأخلاقي والمعرفي الأولي، ولا يبدو أنها تقدم شيئًا مفيدًا أو جديدًا، على الصعيد المعرفي على الأقل. وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إن الخلافات/ الاختلافات التي قامت بين مصري ومنتقديه، في هذا الشأن، هي اختلافاتٌ/ خلافاتٌ زائفةٌ ناتجةٌ عن عدم دقةٍ في التعبير من كاتب “الزفرة/ النص”، وسوء فهمٍ أو عدمه من بعض المتلقين المنتقدين، في الوقت نفسه.

مصري يتحدث عن “القتل والدمار والتشريد” بوصفها “نتائج”، لكنه لا يوضح هي نتائج ماذا تحديدًا. وهو ينتقد منتقديه الذين يصرون على العودة إلى الأسباب”، في حين أنه يمضي “إلى النتائج”. أعتقد أن هذا الفصل “التعسفي” بين الأسباب والنتائج هو المحور الأساسي للاختلاف/ الخلاف الحقيقي، وليس الزائف، بين مصري وكثيرٍ من منتقدي “زفرته”، فبالنسبة إلى كثيرٍ من السوريين، من الصعب تقبل “زفرةٍ نصيةٍ” لا تأبه، ولو بذكر الأسباب الأساسية للنتائج الكارثية التي تتناولها هذه الزفرة، خلال عملية “الزفر”.

يبدو واضحًا أن زفرة مصري جاءت تعبيرًا عن المعاناة العامة التي عاشها، ويعيشها، السوريون الذين قُتِلوا أو فقدوا أحبتهم أو تشردوا ودُمرت بيوتهم وقراهم ومدنهم. لكن ألا يعزز التحدث باسم الضحايا أو دفاعًا عنهم ضرورة تحديد سبب أو أسباب هذه النتائج الكارثية التي زفر مصري زفرته في خصوصها؟ فهل ثمة معقوليةٌ أو مقبوليةٌ، من وجهة نظر الضحايا وأهلهم والمتعاطفين معهم على الأقل، في إدانة الجريمة وتمني عدم حصولها بدون ذكر المجرم وإدانته؟ ولِمَ بقي السؤال معلقًا في ما إذا كان مصري يرى أن النتائج الكارثية التي زفر زفرته في خصوصها هي، بالدرجة الأولى وربما الأخيرة، مسؤولية الثوار ومؤيديهم ونتائج الثورة –بمراحلها المختلفة– وأنه كان بإمكانهم تجنبها ومنع حصولها، بطريقةٍ أو بأخرى، أم أنها نتائج قمع النظام (وحلفائه) وتخاذل المجتمع الدولي عمومًا، و”أصدقاء الشعب السوري” خصوصًا، ولم يكن بإمكان الثوار فعل كثير لتجنب حدوث ذلك، مع المضي في ثورتهم؟ إذا كان مصري من القائلين بالخيار الأول، فإن الانتقادات التي تعرض لها، في خصوص “زفرته/نصه”، ليست ناتجةً عن سوء أو عدم فهمٍ، كما يعتقد، بل هي تجسد خلافًا حقيقيًّا وفعليًّا؛ أما إذا كان من القائلين بالخيار الثاني، فإن الخلاف بين مصري ومعظم منتقديه، في هذا الخصوص، يكون حينها خلافًا زائفًا ناتجًا عن فهمٍ خاطئٍ.

طبعًا خيارات الإجابة عن السؤال السابق لا تنحصر في هذه القضية العنادية “إما…، وإما…”، فثمة من يقول بأن النتائج الكارثية، المذكورة آنفًا، هي مسؤوليةٌ مشتركةٌ بين النظام من جهةٍ، و”الثورة”، من جهةٍ أخرى. ويبدو أن مصري يتبنى هذا الموقف، تبنيًّا ضمنيًّا، في “زفرته/نصه”. فمن ناحيةٍ أولى، حين يمس مصري في “زفرته” الثانية، “مضطرًا” مسألة المسؤولية مسًّا رقيقًا، يؤكد في عموميةٍ ضبابيةٍ: “من كان في مصلحته كل هذا الموت والضياع.. أظنه في الحقيقة يوجد، ليس في الطرف الموالي النظام فحسب، بل أيضًا في صف بعض معارضيه، للأسف،…”، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، ينفي مصري أن يكون قد قصد “بتعبير (ليتها لم تكن) الثورة كلها، من بدايتها لنهايتها”، بما يؤكد أنه قصد بهذا التعبير جزءًا من الثورة، وهو الجزء الذي يعدّه مسؤولًا، إلى درجةٍ أو أخرى، عن النتائج الكارثية الآنفة الذكر. وانطلاقًا من ذلك، لا يبدو سوء فهمٍ القول: إن مصري لا يكتفي في “ليتاه” بالحديث عن النتائج، كما “يزعم”، بل يربط هذه النتائج ببعض أسبابها، والمتمثلة في جزءٍ من الثورة. وذكر جزءٍ من الأسباب قد يكون أكثر سوءًا من عدم ذكرها كلها؛ وينطبق ذلك على زفرة مصري النصية. فمن ناحيةٍ أولى، لا أعتقد بوجود أساسٍ معرفيٍّ أو أخلاقيٍّ يسمح باعتبار الثورة سببًا للنتائج الكارثية المذكورة، مع تجاهل حتى الإشارة إلى الأسباب الأخرى، ناهيك عن إبرازها. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، ما يراه مصري سببًا هو، أيضًا وخصوصًا، نتيجةٌ لأفعال النظام وممارساته، ليس بعد قيام الثورة فحسب، بل وقبل هذا القيام ومنذ اغتصابه السلطة. وتوضيح هذه العلاقة السببية وتبنيها يفضي على الأرجح إلى القول: إن وجود هذا النظام واستمراره هو الجريمة الكبرى التي تمت في حق سورية وشعبها، ولن تتخلص سورية من الجرائم التي يقترفها النظام، أو يؤدي إلى اقترافها في حق سورية والسوريين، إلا بالتخلص من الجريمة الكبرى المذكورة. وإن استمرار جرائم النظام الوحشية وتفاقمها في حق الثائرين عليه و”حاضنتهم الاجتماعية” هو سببٌ إضافيٌّ للثورة على هذا النظام وتأكيد ضرورة التخلص منه “بأيِّ ثمنٍ”، بدلًا من أن يكون سببًا للخنوع والرضوخ والاستسلام. ولا تعني “أي ثمنٍ” هنا قبول جرائمه وجرائم غيره وتسويغها، تسويغًا مباشرًا أو غير مباشرٍ؛ على العكس من ذلك تمامًا، هي تعني أنه بعد الجرائم الكثيرة والكبيرة التي ارتكبها النظام في حق السوريين، أصبحت الثورة عليه ضرورةً وجوديةً وتاريخيةً وأخلاقيةً وسياسيةً مطلقةً، يستحيل معها القبول بهذا النظام والتعايش معه، بأي شكلٍ من الأشكال. وإذا كان مصري يعتقد أنه كان على الثورة، في مرحلةٍ ما، التوقف والعودة إلى “حضن الوطن”، فأنا أعتقد أن هذه العودة لم تكن “آنذاك” لا ممكنةً ولا مرغوبةً، لأن حد الاحتقان الشعبي ضد هذا النظام قد وصل إلى درجةٍ يصعب ضبطه، بدون تحقيق شيءٍ من أهدافه، ولأن معرفة السوريين الثائرين بالنظام جعلت معظمهم يدرك انقطاع كل جسور العودة عن الثورة أو التصالح مع النظام وقبول استمرار وجوده؛ فعلى العكس من موقف أحد “المعارضين” المنكبين على انتقاد المعارضة، والمؤمنين بوحدانية هذا النقد، والرافضين لأي إشراكٍ أو شركٍ به (كانتقاد جرائم القصف والحصار والتجويع مثلًا)، الذي يرى أن “ما من ثورة تستحق هذا الاسم، إلا وتضع الفشل احتمالًا واردًا قد تسعى إليه بنفسها حين تكون خسائره أقل فداحةً”، أرى أن الثورة لا تكون ثورةً إذا دخلت في مساومات عقلانيةً، وقبلت احتمالات التراجع والفشل والعودة إلى القبول بالوضع الذي تثور عليه.

أود في النهاية الإشارة سريعًا إلى بعض النقاط الإشكالية التي تضمنتها “زفرتا” مصري. ولأسبابٍ عديدةٍ، سأكتفي، في هذا السياق، بالإشارة والتعقيب السريعين:

لا أعتقد بوجود أي معقولية أو مقبولية للمماهاة بين السوريين وتنظيم الأسد الذي يحكمهم. وتبدو هذه المماهاة واضحةً في “زفرة/نص” مصري حين يتحدث عن “لبنان، الذي حكمه السوريون ثلاثة عقود…”. فتنظيم الأسد هو الذي كان يحكم لبنان، بل ويحتله، إضافة إلى احتلاله سورية واغتصابه السلطة فيها منذ عقودٍ طويلةٍ. يضاف إلى ذلك، لا يمثل هذا الحكم/ الاحتلال أي قيمةٍ إيجابيةٍ يمكن التباهي أو المفاخرة بها، بما يسمح بوضعه في حالة تقابلٍ قطبيٍّ مع الوضع المأسوي الذي يعيشه معظم اللاجئين السوريين في لبنان حاليًّا. وفي الإطار نفسه، لا أعتقد بأنه من الملائم أو اللائق الحديث عن مصر بوصفها “بلد المتسولين”!

إن فكرة “ليتها لم تكن” –بوصفها تتناول جزءًا من الثورة، وتتمنى عدم وجود هذا الجزء، وعدم وجود النتائج التي حصلت لاحقًا بعد وجوده– تذكرني بقولٍ للعظم يأسف فيه لسكوته وسكوت السوريين عن الجرائم التي اقترفها تنظيم الأسد في حماه عام 1982. الرابط بين الفكرتين أو القولين يتمثل في المفارقة المأسوية التالية: هناك من يندم على السكوت السابق عن الجرائم، ويرى فيه جريمةً مهدت لجرائم لاحقةٍ، وهناك من يتمنى أن يكون هذا السكوت قد استمر أو تمت العودة إليه في مرحلة ما بعد الثورة؛ لأن عدم السكوت أفضى ويفضي إلى تفاقم الجرائم المرتكبة كمًّا وكيفًا.

يقول مصري: “(قضيت) (الخمس) سنوات الماضية وأنا أحاول أن أصدّق وأجعل الآخرين يصدقون (بأن) الأمور ستصطلح، وأنها لا ريب ستمضي قريبًا في الطريق الصحيح.. وأنه لا بد من نهاية مضيئة لهذا النفق المظلم”. ما الذي تغير الآن، وجعله يفقد الأمل في “نهايةٍ مضيئةٍ لهذا النفق المظلم”؟ هل ثمة تغيرٌ كيفيٌّ قد حصل ويسوِّغ هذا التحول الجذري، أم أن هذا التحول هو نتيجة تغيراتٍ كميةٍ متراكمةٍ؟ ما اقترفه النظام من جرائم بحق السوريين في السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من الثورة، لا يقل وحشيةً عن الجرائم التي يقترفها النظام وأعوانه وحتى أعدائه بحق سورية والسوريين في الفترة الأخيرة، فكيف تسنى لمصري أن يحتفظ بالأمل آنذاك، ويفقده لاحقًا أو حاليًّا؟ وهل يعني ذلك أنه كان على خطأ، حين تمسك سابقًا بهذا الأمل، وحين حاول أن يصدّق، وأن يجعل الآخرين يصدقون أن الأمور ستصطلح، وأنها لا ريب ستمضي قريبًا في الطريق الصحيح؟ ثم أليس غريبًا أنه بعد هذا التغير الجذري في موقف مصري، وفقًا لأقواله هو نفسه، أن يقول، في نهاية زفرته الأولى ” أنا لم أتغير.. ولن…”!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق