سورية الآن

سورية باقية في لبنان

أي كلام عن دور سوري يشبه الدور السابق حتى 2005، ولو أضعف، مبالغ فيه. لا يناقض هذا الكلامُ الكلامَ عن نفوذ حزب الله في لبنان، ودوره المؤثر في سورية فحسب، إنّما يناقض الواقع السياسي الإقليمي.

فحزب الله هو من يدير لبنان، على الأقل في المحور الذي باتت فيه سورية، أو نظامها، الحلقة التابعة. هي، في ظل الدور الروسي الإيراني، ليست حتى سوريا ضمن الجمهورية العربية المتحدة مع مصر جمال عبد الناصر، حيث القرار في القاهرة لا في دمشق (1958 – 1961).

يدرك النظام السوري ذلك. ويدرك أيضاً، أن ما يمكن أن يحصّله، في لبنان، من خلال حزب الله وضمن محوره، هو أكبر بكثير من أي دور مباشر أو خاص. والسبب ليس في تضخم دور حزب الله وقدراته في السياسة فحسب، بل يعود إلى تراجع دور النظام السوري إقليميّاً، وإلى ضعف الأدوات السورية في لبنان أيضاً.

ذلك أن الدور السوري في لبنان، كان يأتي دائماً عبر توافق عربي ودولي، أو باتفاق إقليمي دولي تتمكن دمشق من خلاله توسيع دورها ونفوذها. ففي السنوات التي تلت الحرب واتفاق الطائف، استطاعت دمشق أن تمسك بالأوراق العربية والدولية وتستثمرها في دورها ومن أجل مصالحها، ومنها الرئيس رفيق الحريري. وقد أبعدت مَن تشاء من دون اعتراض دولي أو عربي. أما اليوم، فتبدو أدواتها محدودة. بضعة أحزاب هامشية أو غير مؤثّرة، وشخصيّات سياسيّة أقرب إلى الأبواق والبالونات وتأكل على مائدة حزب الله سياسيّاً ونيابياً ووزارياً. حتى الرئيس نبيه بري، رغم ماضيه وعلاقاته وحساباته السياسيّة، لا يمكن اعتباره، اليوم، من حلفاء سورية الأسد كما كان إبان الحرب أو في مرحلة الوصاية السوريّة، من دون أن يعني ذلك أنه ضدها أو في محور آخر.

لا يُفَسَّرُ ذلك خروجاً من بري على سوريا، بقدر ما هو من المتغيرات المحليّة والإقليمية والدولية. فبري، الذي هو من أكثر السياسيين قدرة على ترجمة سياسة سورية الأسد ولبننتها، أدرك باكراً أن الدور السوري ليس من نفوذ دمشق الإقليمي واللبناني، بل إن الدور هو ما يصنع النفوذ. كذلك، أدرك باكراً أن الدور والنفوذ السوريين، في لبنان، لا يمكن أن يعيشا خارج التفاهم العربي. فوقف منذ الانسحاب السوري من لبنان (2005) عند التقاطع السوري العربي، منتظراً في معظم الأحيان ومحاولاً فتح الأبواب أحياناً.

هكذا، يمكن اعتبار بري نموذجاً للسياسة السورية، التي تجمع الدور إلى النفوذ والتفاهم العربي. ولعل لهذا السبب، امتعض من مرور التسوية الرئاسيّة من دون علم منه، بل من دون أن تطلعه السعودية على موقفها. وهو الذي يعتبر أن العرب يعرفون موقفه ووقوفه. وفيما تدللَ على حزب الله صاحب الكلمة الأولى في التسوية الرئاسيّة، لم يعاتب دمشق. لم يفعل ذلك، ربّما، بسبب تراجع العلاقة المباشرة بينه وبينها، لكن السبب الرئيس هو أنّه يدرك أنّها ليست صاحبة القرار.

كل ذلك، إضافة إلى تنامي نفوذ حزب الله وشغله الدور السوري السابق في لبنان، يفصح أنَّ الحديث عن عودة سوريا إلى لعب دور في لبنان مبالغ فيه وبلا أسس منطقية وواقعية. فالدور والنفوذ السوريان، هما من دور حزب الله ونفوذه وخلفه وعبره. أما دمشق، فهي تقريباً راضية بذلك. ولعلها تضحك في سرّها، بأنّها أستطاعت تأسيس مدرسة سياسيّة في لبنان، تعلّم فيها كثيرون، كان بري أبرزهم. فحتى لو تراجع دورها، يبقى خريجوها في سوق العمل، وتبقى دروسها في مناهج القوى السياسيّة عموماً.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق