أدب وفنون

حوار مع القاص والروائي محمود الوهب

القاص والروائي محمود الوهب لـ “جيرون”:

لجأت إلى الأدب في وقت متأخر زهدًا في الحزبية السياسة

ما جرى ويجري في سورية أحداث هي أقرب إلى السوريالية

محمود الوهب 4

“تتعقد الدراما الداخلية، لتتحول إلى صورة سريالية مثيرة، يمتزج فيها الخاص بالعام الذي يقف على شفير الهاوية، مرهصًا بالأحداث الجسام!” بهذه الكلمات قدم الناقد الأدبي والمترجم، محمود منقذ الهاشمي، العمل الروائي الأول للقاص والناشر السوري الحلبي، محمود الوهب، والموسوم بـ “قبل الميلاد”، والذي يؤكد صاحبه أنه كَتب أجواء ما قبل إطلالة بشائر الربيع العربي التي انتظرتها المجتمعات العربية طويلًا، والكُتَّابُ منها في المقدمة، أجواء القمع ومصادرة الرأي وسرقة المال العام وتغلغل الفساد في دوائر الدولة وأجهزتها.

ولتسليط الضوء على باكورة أعمال الكاتب السوري الروائية، ألتقته صحيفة “جيرون” في مقر اقامته في مدينة “غازي عنتاب” التركية، فكان هذا الحوار:

 الغلاف

 

لتكن بداية حديثنا عن روايتك الصادرة -أخيرًا- (قبل الميلاد)، كيف تقدم لقراء “جيرون” روايتك الأولى، وفي أي الأجواء كتبتها؟

روايتي كأي عمل أو نص أدبي لا يأتي الحكم عليه من خلال مؤلِّفِه، بل من القارئ، أليس القارئ شريكًا رئيسًا في النص؟! ألم يقل أحدهم ما معناه: “الكاتب يكتب نصه، والقارئ يعطيه معناه؟!”

أمَّا عن الكيفية التي أقدم الرواية من خلالها، فإني أقدمها بثقة، وحب، الثقة من أنَّ العمل قد أنضج على نار هادئة، ومن خلال تجربة، لا أظنها قليلة أو ضعيفة، على الرغم من قصر مدتها الزمنية. وقد أشار بعض النقاد إلى أنَّ هذه التجربة قد ولدت مكتملة. أقول ذلك؛ لأني اتجهت إلى الأدب في وقت متأخر، ولعل هذا الاتجاه، في جوهره، نوع من اللجوء، وزهد في الحزبية السياسة. وفي الأدب مجال أرحب لإيصال وجهات النظر وخلاصة التجارب، على الرغم من مداورة هذا ومباشرة تلك. والحب؛ حبي للعمل الروائي هذا. فلأنه استشرف أفق ما كان واقعًا قبل العام 2011 عبر مشاهد، وصفها الناقد الأدبي والمترجم محمود منقذ الهاشمي، وقد قرأ مخطوط الرواية: “تتعقد الدراما الداخلية، لتتحول إلى صورة سريالية مثيرة، يمتزج فيها الخاص بالعام الذي يقف على شفير الهاوية مرهصًا بالأحداث الجسام”. ولعلي كثَّفت ذلك الاستشراف في العنوان الذي أدرك محتواه بطل الرواية، استنادًا إلى مقدمات قرأها في إطلالته على مدينته حلب.

وحبي للقارئ الذي أرغب أن يمد هذا العمل جسور الصداقة في ما بيننا.!

أمَّا الأجواء التي كتبت فيها الرواية، فيمكنني القول: إنها أجواء ما قبل إطلالة بشائر الربيع العربي التي انتظرتها المجتمعات العربية طويلًا، والكُتَّابُ منها في المقدمة، فهؤلاء غالبًا ما يستشرفون وقوع الحدث، فكيف بهم، وهم يعيشون واقعًا مريضًا، ينذر بموت محتم إن لم يتبدل؟! بغض النظر عن مآلات الربيع التي لا تنفي ضرورته الموضوعية، بل تؤكدها، أقول: كتبت الرواية في أجواء القمع ومصادرة الرأي وسرقة المال العام. أجواء تغلغل الفساد في دوائر الدولة وأجهزتها المختلفة، وتخلُّف التنمية، أجواء الإفساح في المجال للفكر الظلامي أن يتمدد، في الوقت الذي جرى فيه التضييق على الفكر العلماني التحرري الذي يؤكد مواطنية الفرد وحريته. ثمَّ إني، وهذا مهم جدًا، كتبتها في أجواء بقاء ظلال هزيمة العرب المريرة، الهزيمة التي لم تمح، بل لم تغسل آثارها، كما كانوا يزعمون، على الأقل! كتبتها مع أنين هزيمتي كفرد، وهزيمتنا كوطن، وأمة، وقيادات أولًا. هزيمة فاضحة أمام العدو الإسرائيلي، وعارية أمام الشعارات التي طرحها هؤلاء السياسيون، حكامًا وقادة أحزاب، تلك الشعارات التي نعاها الشاعر نزار قباني، مبكرًا، في قصيدته (منشوره السياسي) المسماة “هوامش على دفتر النكسة”، وقد أهمل القادة السياسيون ذلك المنشور/ القصيدة، إذ كان هجاء قاسيًا لهم ولهزائمهم السياسية والاجتماعية والفكرية. وما كان اختيارهم الاستبداد المطلق -قمعًا واستعلاء وكم أفواه- إلا تعويضًا عن تلك الهزائم، ولعلَّ ما جرى ويجري في سورية منذ خمس سنوات، وحتى اللحظة، هو تتويج لكل تلك الهزائم.

غلاف احدى مجموعاته القصصية

هل هناك حدث معين حفزك لكتابة هذه الرواية؟ وما الشواغل التي اشتغلت عليها في هذا النص؟!

أحداث كثيرة. فأنا -كغيري من المثقفين- مسكون بحال تنوس بين الحلم والواقع. الواقع المحزن بتخلُّفِه وتجاوزاته، والحلم باستبدال صورة زاهية مشرقة به، صورة بهيجة قوامها تنمية الوطن والمجتمع والإنسان على غير صعيد. صورة تأخذ بيد الجميع نحو مراقي الحضارة المعاصرة. صورة سبيلها الوحيد الحرية، الحرية بمعناها الذي يحقق للفرد والمجتمع خلاصًا من ألوان الاستبداد كافة، ونهوضًا للبناء على أرضية صلبة. تأتي هذه الصورة، بل الصور -في الرواية- عبر أشكال من الفانتازيا أو خيال تأملي يوحي إلى الفكرة دونما قسر أو مباشرة. وثمة كثير من المشاهد التي تمزج بين السوريالية والفانتازيا! وكثيرًا ما يجري التبادل ما بين الوعي الظاهري والباطني لبطل الرواية؛ بين واقعه البائس وأحلامه الزاهية. وقد حمَّلت الأبطال رموزًا ودلالات كثيرة في الأحداث والأسماء، أتركها لنباهة القارئ ولعين الناقد! أما مادة ذلك أو خلفية تلك اللوحات، فهي الواقع الذي غدا أشبه بمستنقع تأسَّن لانقطاع مياه النهر عنه. ولعلَّ لمشاهداتي المباشرة، ولبيئتي الشعبية ذات الأحلام البعيدة، ولشغلي في جريدة “النور” السورية -مدة عشر سنوات- مشرفًا على صفحَتَيْ الثقافة والمحليات، وكذلك لتجربتي في مجلس الشعب. الفضل في اختزان كثير من الوقائع والأحداث الحياتية التي تخدم العمل الروائي على النحو الذي أتى عليه العمل.!

 غلاف لمجموعتين قصصيتين

حلب، “يومان وليلة”. زمن الرواية المكثَّف:

كتبت الرواية قبل الثورة غير أنها لم تطبع إلا قبل أسابيع قليلة لأسباب مالية من جهة، وأيضًا للأسباب التي مرت بها سورية – كما تذكر–، وهنا أسألك: هل حذفت أو أضفت شيئًا ما قبل دفعها للمطبعة؟

ثمة كلمة للشاعر اللبناني بول شاؤول في إحدى مقابلاته، أنًّ من أهم أسباب الطباعة لديه هي الخلاص من التعديلات على نصوصه! ما أريد قوله: أنا واحد من الكتّاب الذين يعيدون ويصقلون ويهتمون بالعبارة والمفردة والأداة. وأستغرب من بعض الكتّاب عدم تبييضهم ما يكتبون! قد ينفع ذلك في الشعر؛ بل في المقطوعات الشعرية القصيرة التي غالبًا ما تخزَّن في لاوعي الكاتب، ثم تندفع مع الحالة الشعورية حين تتدفق في وقتها. أنا كاتب واقعي، ولا أحب المبالغات في هذا الشأن، والرواية، على كل حال، شأنها مختلف، وإنْ تطلبت فيها بعض مواقف أشخاصها شحنًا عاطفيًا، تميل معه إلى الوصف واستخدام المفردات الشعرية. نعم لقد جرى تعديل، بل تعديلات، ولكن على شكلها الفني فقط، وليس على مسارها ومقولاتها الرئيسة، اللهم إلا لجهة التقوية والإغناء. ومن ذلك التغيير استبدال اسم الرواية من “يومان وليلة” إلى “حلب قبل الميلاد”. ثم حَذَفْتُ كلمة حلب وأبقيتها هكذا: “قبل الميلاد”. أما “يومان وليلة” فهو زمن الرواية المكثَّف الذي يطل منه بطل الرواية “همام” على مدينته حلب ويشاهد كمَّ التجاوزات الهائل الذي يخلِّف أوجاعًا وطنية واجتماعية وإنسانية. ويوحي العمل كلَّه بالأسباب العميقة لتلك الأوضاع، كما يوحي بسبيل الخلاص في مشهد سُريالي أخير، يستحضر إحدى الشخصيات التنويرية الملهمة من تاريخنا الحديث.

بعد صدور أربع مجموعات قصصية لك، تعمل حاليًا على إصدار مجموعتك الخامسة التي كُتبت في أثناء الثورة، حدثنا عنها؟

إن أردت أن أتحدث عن المجموعات القصصية الأربعة السابقة، وبما قيل عنها، فهي قصص تمتح مما هو اجتماعي وسياسي بآن، فتأتي على المهمشين والمقهورين، كما تأتي على التجاوزات الفاضحة التي تغفل العين عنها، وغالبًا ما تأتي هذه الأخيرة بأسلوب ساخر. أما مجموعتي الأخيرة، قيد الطبع، واسمها: “هذيان السمع والبصر” فقد أخذت في كتابتها مع بداية الاحتجاجات الشعبية، وبالتحديد مع إدارة النظامِ الظهرَ لها، ثمَّ اختياره الحل الأمني -أسلوبًا وحيدًا- لمجابهتها، متسترًا بالمؤامرة التي، إن وجدت، فبرعونته لا بغيرها، رُكِّبَ لها أرجل قوية، وفرش لها السجاد الأحمر كي تمر وتمارس دورها اللئيم. وأودُّ هنا الإشارة إلى بعض القصص، منها قصة: “المهر الأبيض خميس” التي كتبت بعد أن أُنزل الجيش السوري إلى البلدات السورية المختلفة. وقد استغرق هذا الحدث مني وقتًا طويلًا لأجد له الإطار القصصي المناسب، الإطار الفني البعيد عن المباشرة. ومن هذه المجموعة ثلاث قصص نشرتها في عدد القصة الخاص بمجلة “الجديد” اللندنية، ومنها ما نشر في مجلة “رؤية سورية”، وكذلك في مجلة “البيان” الكويتية. وموضوعات هذه القصص تتناول الحرب وأسبابها وأهوالها والغباء السياسي الذي تسبب بها، والتخلُّف الفكري لبعض قادتها، وأمرائها المستأجرين.

في رأيك إلى أيِّ حدّ ينحاز الكاتب إلى الواقع، وما اللحظة التي يشعر فيها أنه على وشك الانفجار الداخلي، والتمرّد على هذا الواقع، بإطلاق العنان لخياله الروائي و -بالتالي- إعادة إنتاج العالَم من جديد؟

الكاتب دائمًا وأبدًا منحاز إلى الواقع، فهو ابنه، منه يمتح، وبه يتفاعل، وتغييره مبتغاه. وإن اختلفت أشكال التعبير الفني عنه، لدى هذا الكاتب أو ذاك، هو دائم التعاطي مع مفرداته التي تشكل له هاجسًا وتمنحه مساحة للتعبير. إن لحظة الانفجار تأتي عندما يصل التراكم إلى أوجه، وينعكس في ذهنية الأديب وروحه ضيقًا حدَّ الاختناق، حينئذ تحاول الفكرة ارتداء ثوبها الفني، وقد تأخذ وقتًا، وعبر الولادة تجري تبدلات مختلفة تعود إلى حالة الانفجار الذي يأتي أحيانًا قبل أوانه.

صورة جثة الطفل السوري “إيلان” الغريق بحذائه وملابسه على شواطئ السواحل التركية، أنت ككاتب كيف تكتب عنها رواية؟

هذه الحال، حال الطفل “إيلان”، ومثله حادثة الطفل الحلبي “عمران”، وقبلهما “حمزة الخطيب”، وكم هائل من الأطفال الذين تقتلهم الطائرات -يوميًا- بوحشية. هذه الحوادث ليست منفصلة عن حال أشمل، هي حدث له تشابكاته وتداخلاته مع أحداث أخرى، أحداث مادية، وعلاقات بين البشر، هي نتاج عصر غابت عنه روحه الإنسانية. ربما تدخل في موضوعة “إيلان” عناصر جديدة. منها طباع الإنسان الشريرة التي يذبح فيها الإنسان أخاه بخيوط حريرية، (المهربون)، ومنها –أيضًا- دخول عنصر الطبيعة على الحدث. فالبحر الذي احتض بذرة الإنسان قبل مئات ملايين السنين، بحسب بعضهم، يتمرد على ابنه، متصرفًا على نحو يعاكس الأمومة! لا أستطيع الآن أن أعطيك تصوُّرًا دقيقًا، على الرغم من أنه حاضر في ذهني، وعلى الرغم من أنَّ أحد الأصدقاء وصفني ذات يوم بـ “أنني ماهر في تحويل الحدث الواقعي إلى قصة” ولكن، إن فعلت، فمن يضمن عدم تغيير المخطط الأولي لدى التنفيذ العملي!

ألا تعتقد أنه من المبكر كتابة رواية عما يحدث في سورية؟

ربما. وإن جرى سيكون عملًا تسجيليًا، وأضيف هنا مسألة أخرى، هي أن ما جرى ويجري على الأراضي السورية من أحداث غريبة عجيبة. أحداث فوق احتمال الروح، وتصورات العقل.! أحداث هي أقرب إلى السوريالية، بل هي السوريالية بعينها، هذه السوريالية الواقعية، إن صح التعبير، ستجعل الكاتب يتريث قليلًا بحثًا عن أساليب تتناسب وحجم الحدث! فخيال الكتاب مقصوص الجناح أمام ما يجري، وما أدراك؟ قد تدفع هذه الأحداث الكتّاب، وإن بعد حين، لابتداع مدارس جديدة في التعبير! ألم تأت الحرب العالمية الثانية بالكثير من الأساليب والمدارس الحديثة في الأدب والفن.!

الحراثة في أراض بكر.

يلجأ بعض الأدباء إلى الكتابة حتى يتخلصوا من آلامهم، او ليبوحوا بأحزانهم، تُرى لماذا يكتب محمود الوهب؟

هذا صحيح الكتابة أحيانًا نوع من (الفضفضة) أعني: التخفيف عن الروح بعض ما يعتريها من أعباء، تمامًا كما يذهب المثقل بأمر ما إلى أقرب المقربين باحثًا عن مخرج ما. هنا الأمر أشمل وأوسع، فالمسألة ليست فردية، وإن كانت تصدر عن فرد، إنها في الأصل شأن عام، له علاقة بالجماعة، وهدفها إثارة الرأي العام ولفت انتباه المعنيين أولًا، ومن هنا ترى إلى المستبدين يفرضون القيود على الكتّاب، ويكثرون الموانع والمحظورات. الكتابة رسالة إن أتت محققة شروطها الفكرية والفنية، يأتي معها الفرح مصحوبًا بشيء من تحقيق الذات أو إثباتها في هذا الكون المترامي. هذا الكون الممتلئ جمالًا ورعبًا بآن معًا.

اخترت كتابة القصة لسنوات طويلة. التحول للرواية، كيف حدث؟

القصة القصيرة لقطة، غالبًا ما تأتي بالمصادفة المحضة، أو هي ومضة تلمع في الذهن على نحو مفاجئ! صحيح أنَّ القصة قد تتسع في مداها الإنساني، لكنها تبقى مسيَّجة بحال لقطتها أو حدثها الاستثنائي، بينما مجال الرواية أوسع وأرحب وأعقد. الرواية حياة أو هي قطعة من الحياة بكل ما في الحياة من مفردات وعلاقات وتناقضات. هذه ناحية، أمَّا الناحية الأخرى فقلق الكاتب الدائم يدفعه باستمرار للحراثة في أراض بكر. وأضيف: لعلي في القصة القصيرة عالجت هذه النقطة أو تلك. هذا الجانب السلبي في حياتنا أو ذاك. في الرواية كنت قد وصلت إلى قناعة بأن هذا النمط من الحياة الذي عشناه عقودًا قد وصل إلى منتهاه، ولا بد من تغييره، إذ بدأ يعيق حركة استمرار الحياة سليمة معافاة. وقد انصب محتوى الرواية على طريق الخلاص.

إلى أيّ مدى تخـتلف تقنـيات كتـابة الرواية عن القـصة، ولا سيـِّما أنك كـتبت هـذين النوعـين الأدبيين؟

اختلاف كليٌّ فالقصة القصيرة هي أقرب إلى القصيدة الشعرية، ويمكن أن تكتب في وقت قصير، قد يكون متصلًا، وهي لجهة التكوين، تبدأ مع وضوحها التام في ذهن الكاتب، مقدمة وعرضًا وخاتمة، إلا من استثناءات قليلة. بينما الرواية تختلف كثيرًا فثمة مساحات أوسع في الأزمنة والأمكنة، وفي الأحداث والشخوص والعلاقات المتوافقة منها والمتناقضة. الرواية بناء يقوم على هندسة وتخطيط مسبقين يتفقان وما ذكرت.!

الآن وبعد أن كتبت الرواية إلى جانب القصة. ألا تفكر بالانفتاح على أجناس أدبية أخرى، وطرق أبواب تعبير مغايرة؟

لا. لا يوجد مثل هذا التفكير. كتبت الزاوية الصحفية وكتبت المقالة، والدراسة الأدبية والفكرية. خطر ببالي أن أخوض تجربة الكتابة المسرحية، إذ رأيتها أقرب إلى الحياة، وأكثر تعبيرًا عن الواقع، وأسرع معالجة لقضاياه. لكني لم أجرِّب.

هناك من يرى، من الكتّاب والنقاد، أن “عالم السرد الروائي يعيش عصره الذهبي”، فهل أنت مع هذا الرأي؟ وهل مازالت الفنون السردية محتفظة بقدرتها على الإدهاش والتأثير؟

نعم، بل إن الروائيين العرب، كتّابًا وكاتبات، يصوغونه اليوم برشاقة ونعومة. فالرواية ابنة التفاصيل الصغيرة التي تدخل عالمها مجتمعاتنا العربية؛ مبتعدة عن البداوة وأنصاف البداوة. ثم إنَّ الرواية مادة خصبة للفنون الرائجة اليوم، كالدراما والسينما اللتين تجلبان الشهرة والمال بآن، فضلًا عن كثرة الجوائز التي تجود بها المؤسسات الثقافية. أمَّا القدرة على الإدهاش، فهو وافر ما دام الإنسان موجودًا في حقول الحياة جميعها.

بعد هذه الرحلة إلى أين تتجه كتابتك؟ وماذا تعني لك الكتابة اليوم، بعد تفرغك لها تقريبًا؟

الكتابة عندي منذ بدئها هواية، وما كانت حرفة أبدًا. وغالبًا ما تخضع للمحرِّضات، ولذلك لم أُعْنَ بمئات المقالات وعشرات الدراسات لتجمع في كتب، كما يفعل بعضهم. لعلي اليوم أكثر حرية في ما يمكن أنْ يقال أو يكتب.

أخيرًا، ما عملك الأدبي المقبل؟

ربما أحاول استقراء طبيعة المولود، ودروب فواجعه، والآلام التي عاناها، ومدى قربه أو بعده من مبتغاه. وهناك -أيضًا- سيرتي الذاتية التي أرى فيها مادة خصبة لعمل روائي طويل وغني. ذلك إن واتاني عمر، وهدوء وقت.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق