أدب وفنون

وساطة لأبي حسين

أبو حسين من بلدياتي. رجل بحاله، مثل كعب الجمل “لا يلعب ولا يلاعب”. من بيته لكرمه، لا يتدخل في مشكلات الضيعة، لا يخالط أحدًا. شعاره الدائم: “العب وحدك ترجع راضيًا، ولا تنم بين القبور، ولا تحلم بمنامات موحشة”.

لكن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن، والأمور لا تنصرف كما يشتهي الإنسان. فقد كبر بنه حسين، وأصبح شابًا. والمثل يقول: إذا طلعت دقن ابنك احلق دقنك”. ومع أن أبا حسين قد حلق ذقنه حينما صار ابنه شابًا؛ لكنَّ حسين صار بعكس والده تمامًا. لا يهدأ له مقام، يتحرك مثل الزئبق بين بيوت الضيعة، “من بيت اشقع لبيت ارقع” كما يقولون في الأمثال: “يا بيت صبحناك، يا بيت مسيناك. يا بيت لا تعتب علينا اليوم ما جيناك”. ينقل الأخبار من هنا إلى هناك، ويزيد عليها ما شاء له أن يزيد. يقول:

الحديث أخذ وعطا. ويترجم هذه المقولة وفق فلسفته ومنظوره في الحياة. أي أنك عندما تأخذ الحديث من أحد، عليك أن تعطيه للآخرين؛ فهو كالأمانة لا يجوز الاحتفاظ بها.

وبسببه فقد جلس القرد على ذيله في الضيعة أكثر من مرّة. وفوق ذلك، فحسين عاطل عن العمل. رباه أبو حسين كل شبر بنذر؛ كي يساعده في كبره، فإذ به يغدو عالة عليه.

الخلاصة؛ لقد بات حسين عبئًا ثقيلًا على والده، يسبب له وجع الرأس من الكلام الذي أخذ يسمعه بأذنيه عن ابنه؛ إذ أخذوا يرددون في الضيعة: “ابنك أنت مثلك أنت. وهذي العصا من ذاك الحرج”. وأبو حسين لا يطيق سماع مثل هذا الكلام. فقد ضاق ذرعًا بابنه، وأخذ يفتش عن مخرج يريحه من هذا الولد العاق.

لا أدري من الذي أرشده كي يأتي ليستشيرني في أمر ولده. جاء اليوم يقول لي:

_ والله يا أستاذ يقولون في الضيعة ما إلك غير الأستاذ مسعود. وأنا جاييك بعرق الوجه يا ابن ضيعتي. قلت له:

_ ابشر يا أبا حسين بالذي أقدر عليه. قال لي:

_ لا، أنت قدها وقدود. معلومك أن مخدومك حسين طلع من يديّ، لا في المدرسة نفع، ولا في الشغل أفلح. لا تأتيني من ورائه إلا المصائب، كل يوم مصيبة. أريد أن أرتاح من هذا الولد، ولا أبوك ولا أبو الشيطان. قلت له:

_ كيف أستطيع أن اساعدك؟ قال:

_ تتوسط لي، والواسطة عند رب العالمين مقبولة، وأنت كلمتك مسموعة عند الحكومة. قلت:

_ أنا؟! من قال لك أن كلمتي مسموعة عند الحكومة. قال:

_ نعم، أعرف أن لك كلمة. وكلمتك لا ترد، قلت:

_ أتوسط؟! أين وكيف؟ قال:

_ لعلهم يقبلونه في الدفاع الوطني، في كتائب البعث، في حزب الله، في أي واحدة من المليشيات الشيعية. يقولون إنهم يبحثون عن متطوعين، يدفعون رواتب مغرية. والحالة كما تعلم ضيّقة. والولد قبضاي، على كيف كيفك. لا يخجلك إن شاء الله، خاصة إذا سلموه دوشكا أو سلاح آخر فعّال. الولد فرز وقد حاله. لقد تسوّد وجهي في الضيعة، لعله يعكس الصورة، ويبيّض وجهي مع هذه الجماعات التي تقاتل العصابات المسلحة. وهكذا نكون ضربنا عصفورين بحجر واحد؛ استفدنا قرشين نظيفين من جهة؛ وحافظنا على ماء وجهنا أمام أهل الضيعة من جهة ثانية. وارتحنا من الولد. وأنت سيكون لك الأجر والثواب بإذن الله.

عندما سمعت هذه المداخلة، قلت لأبي حسين:

_ حتى لا أحملك منيّة يا ابن ضيعتي. هذا الأمر لا يحتاج إلى وساطتي. هؤلاء يبحثون بالسراج والفتيلة عن واحد يمتلك هذه المواصفات التي يمتلكها ابنك حسين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق