مقالات الرأي

الثورة.. وما بعد حلب

لم تكن نتائج الوضع في حلب مفاجئة لجميع من تتبع أوضاعها، ونوعية الحصار الذي مورس عليها منذ أشهر طويلة، ومستوى القصف الجهنمي الذي نفذه المحتل الروسي باستخدام أسلحة متطورة، لا قِبل لجميع فصائل الجيش الحر بها، حيث ارتكب محرقة شاملة، وبأنواع شتى من الأسلحة، بما فيها المحرمّة دوليًا، وتلك التي راح يجرّبها في بلادنا وعلى شعبنا والبنية التحتية لمدينة حلب العريقة، وكذلك أعداد المليشيات الطائفية الغازية والمتزايدة، وما تحمله من حقد، وما تقوم به من أعمال.

وكان السؤال: إلى متى تستطيع حلب الصمود طالما ليست هناك “معجزة” تُنقذها.. تلك “المعجزة” التي توهّم بعضهم أنها يمكن أن تحدث عبر تدخل المجتمع الدولي بفاعلية، أو من خلال موقف أميركي حاسم، أو تقديم أسلحة نوعية للثوار يمكنها أن تحقق شيئًا من التوازن في ميزان القوى.

وعلى ذكر ميزان القوى، وطالما أن فصائل الجيش الحر ظلت متمسكة بأسلوب الحرب التقليدية، وبوجود مجاميع معروفة، ومكشوفة الأمكنة، وعرضة للإبادة وإيقاع الخسائر الكبيرة فيها، وعدم النجاح في الانتقال إلى أساليب أخرى كحرب العصابات، أو الحرب الشعبية، أو حرب الكرّ والفرّ.. فإن الخلل المريع في ذلك الميزان، وأوضاع الناس المحاصرة حتى الموت جوعًا، وقصف جميع المستشفيلت العادية والميدانية، والبنية التحتية، جميعها عوامل تؤدي إلى تلك النتيجة التي حصلت، بغض النظر عن الكيفية، والمدة، والشكل في خروج المقاتلين، أو المدنيين.

بغض النظر عن العوامل الذاتية التي سنأتي على بعضها، فإن جميع المقوّمات كانت تنبئ بعدم إمكانية حلب على الصمود طويلًا، وأنه سيجيء يوم تفقد فيه القدرة على الصمود، ومواجهة الأعداء الكثر وحجم القصف وآثاره.

* * *

سيُقال كثيرًا في التواطؤ على حلب، وتركها من “أصدقاء الشعب السوري” فريسة توحش روسي، وحقد عشرات المليشيات الطائفية، والبراميل بأنواعها، بما فيها غاز الكلور وغيره، وما تمكن الإشارة إليه من مقايضات وتفاهمات تحاول أن ترسم مناطق نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، تكون بمنزلة موضعة كيانات مستقلة، أو شبه مستقلة، يتوازع فيها عدد من القوى الإقليمية والدولية الهيمنة، ووضع اليد إلى مدى غامض.

كما يمكن الحديث عن فعالية، وجدوى الصمود، وحجم الخسائر التي يجب تقديمها، دون تحقيق خطوات مهمة تستحق تلك الحجوم من التضحيات.

لكن ما يجب الوقوف عنده طويلًا هو العامل الذاتي الذي يخصّ الجانب المحسوب على الثورة، والذي أسهم، إلى هذا القدر أو ذاك، في هذا المآل.

عوامل متداخلة شاركت في وصول الوضع إلى الحالي، وأولها وأساسها: تشتت القوى العسكرية المفتقرة إلى التوحيد، والعمل المشترك، ووجود فصائل تعمل لحسابها الخاص، وتتحرك وفق أجندات مختلفة، حيث يتغلب فيها منطق الاستحواذ، والمغانم، والمحافظة على الذات؛ حتى لو كان ذلك الأمر يتعلق بمعركة مصيرية، ووجود عديد الأجندات المتصارعة، والتي لا علاقة للثورة بها.

لقد أكدت تجارب الثورات في العالم أنه لا يمكن لثورة أن تنتصر بوجود برنامجين متوازين، ومختلفين، فكيف هو الحال عندما نكون أمام مجموعة من البرامج المتفرقة التي تتنابذ، ويكبر الاستحواذ في معظمها؟ أو حين ينفصل السياسي عن العسكري، وحين يسحق العسكري السياسي ويحتقره، ويرفض الخضوع له عادًّا أنه الأساس، والركيزة؟ وحين تصل التدخلات والتداخلات الإقليمية والخارجية درجة تغييب القرار الوطني المستقل، وتمييع جميع محاولات إيجاد جيش وطني حر يتبع لقيادة سياسية؟، ويُثار كل ذلك على المؤسسات السياسية القائمة، خاصة الائتلاف، الذي بدا وكأنه لا علاقة له بالأرض، ولا بالقرارات المصيرية، أو بقدرة التأثير في مجريات الأحداث، وفي صناعة القرارات التي تخصّ وطننا ومستقبله؟، وحتى العملية السياسية ودورنا فيها.

* * *

كثيرة دروس الثورة، وحلب بالتأكيد، وهي تدعو جميع المعنيين بالثورة إلى وقفة شجاعة ليس لالتقاط الأنفاس فقط، بل للقيام بمراجعات شاملة، وتغيير الخطاب، والرايات، والأساليب، وباتجاه:

بلورة مشروع وطني مُستلهم من جوهر أهداف الثورة، كثورة شعبية ترمي إلى إنهاء الاستبداد بكل أشكاله، وأسسه، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التي تحقق المساواة الكاملة بين جميع السوريين على أساس المواطنة، بغض النظر عن الجنس، والقومية، والإثنية، والدين والمذهب. وعلى أساس أنه مشروع عام يرفض الاستحواذ من، والاستئصال، والاحتكار، ويعلي راية الوطنية فوق جميع ما دونها من مرجعيات حزبية، أو فكرية، أو غيرها.

المحور في المشروع الوطني التركيز على المؤسسات التي تمثل الثورة؛ كي تعبّر عن أوسع طيف، وتكريس التوافقات بديلًا للمحاصّات والصراعات، وإيجاد قيادة سياسية قادرة على قيادة تعاريج المرحلة، واستعادة القرار الوطني المستقل.

بناء جيش وطني موحّد، يتبع للقيادة السياسية، مهمته الرئيس العمل العسكري وفق أهداف محددة، وبمهنية تؤدي إلى الانتصار في إسقاط النظام، والحفاظ على وحدة البلاد السياسية والجغرافية والمجتمعية، يقوم على المهنية، وعدم التدخل في السياسة.

إقامة علاقات وثيقة مع القوى السياسية المحسوبة على الثورة، ومع هيئات المجتمع المدني، والأهلي، وفاعليات المجتمع السوري المختلفة، ومدّ جسور الثقة مع الشعب بوصفه الأساس، والحاضن، والمرجعية.

إن دروس حلب، وعموم مجريات الثورة السورية كبيرة، وهي تولّد وعيًا جديدًا يتجاوز ردود الفعل، او تماويج اليأس إلى توظيف النتائج في منهج وخطاب وبرنامج عمل يستجيب للضرورات، ويضع الثورة في سكتها الطبيعية، وهذا ممكن، وقابل للشروع بالتطبيق وفق برنامج عمل مرحلي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق