قضايا المجتمع

حلب: جريمة … وجميع العالم مسؤول

التهجير القسري جريمة، بحسب القانون الدولي الجنائي، وبحسب قانون محكمة الجنايات الدولية.

التهجير القسري -تعريفًا- هو “ممارسة تُنفذها حكومات، أو قوى شبه عسكرية، أو مجموعات مُتعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية؛ بهدف إخلاء أراضٍ معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلًا عنها”.

ويندرج التهجير القسري، ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفق قاموس القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

ويُعرّف القانون الدولي الإنساني، التهجير القسري بأنه “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها” وهو ممارسة مرتبطة بالتطهير، وإجراء تقوم به الحكومات أو المجموعات المتعصبة تجاه مجموعة عرقية أو دينية معينة، وأحيانًا ضد مجموعات عديدة؛ بهدف إخلاء أراضٍ معينة لنخبة بديلة أو فئة معينة، وتعدّ المواد (6)، (7)، (8) من نظام روما الأساسي، التهجير القسري جريمة حرب.

ويُفسر حصول التهجير بأنه نتيجة نزاعات داخلية مسلحة أو صراعات ذات طابع ديني أو عرقي أو مذهبي أو عشائري، ويجري بإرادة أحد أطراف النزاع عندما يمتلك القوة اللازمة لإزاحة الأطراف التي تنتمي إلى مكونات أخرى، وهذا الطرف يرى أن مصلحته الآنية أو المستقبلية تكمن في تهجير الطرف الآخر، ويحصل التهجير في حالة وجود طرف يهدد مجموعة سكانية مختلفة بالانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي، بعدم البقاء في مدينة أو منطقة أو بلد ما.

وتُعرّف اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 آب/ أغسطس1949، والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977، جرائم الحرب، بأنها الانتهاكات الجسيمة للقواعد الموضوعة إذا تعلق الأمر بالتهجير القسري، فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص أو نفيهم من مناطق سُكناهم إلى أراضٍ أخرى، إلا في حال أن يكون هذا في صالحهم بهدف تجنيبهم مخاطر النزاعات المسلحة.

كما أن المادة (٧-١- د) من نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، تُجرم عمليات الترحيل أو النقل القسري، حيث تنص على أن “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، يُشكل جريمة ضد الإنسانية”. وبموجب المواد 6 و7 و8 من نظام روما الأساسي، فإن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين” يُشكلان جريمة حرب، وتعد المادة المتعلقة بحظر نقل السكان من مناطقهم جزءً من القانون الدولي الإنساني العرفي.

إن عملية التهجير القسري وعمليات الإبادة الجماعية تتطابق مع ما نصت عليه المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية” التي أقرتها الأمم المتحدة في 9 كانون الأول/ديسمبر عام 1948، وباتت سارية المفعول في 12 كانون الثاني/يناير عام 1951، والتي تعدّ الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بمنزلة إبادة جماعية:

أ – قتل أعضاء من الجماعة.

ب – إلحاق أذى جسدي أو روحي خطر بأعضاء من الجماعة.

ج – إخضاع الجماعة، عمدًا، لأوضاع معيشية، يُراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.

د – فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

هـ – نقل أطفال من الجماعة عُنوة، إلى جماعة أخرى.

ما حصل في سورية، ويحصل في حلب، هو جريمة كاملة ابتدأ بها زعيم الميليشيا المحلية بشار الأسد وساعده بها ميليشيات محلية وإقليمية أخرى، قامت بعمليات تهجير قسري شامل للسكان في القصير وحمص وداريا وريف دمشق، وفي حلب خصوصًا، شاركت في هذه الجريمة دول إقليمية ودولية كبرى ومُنظمات دولية كالأمم المتحدة.

كل دول العالم المُنخرطة في سورية مشاركة في جريمة التهجير القسري التي تجري فيها. الدول التي تشارك في هذه الجريمة مباشرة عبر وجود قواها العسكرية على الأرض كإيران وفي الجو كروسيا، والدول التي تنتمي إلى التحالف الدولي كأوروبا وأميركا وغيرهم، والدول التي لديها قوى عسكرية على الأرض، وتُبرم الاتفاقيات لتسهيل التهجير ونقل السكان كتركيا، والمنظمات الدولية التي ترعى الاتفاقات وتقدم التسهيلات اللوجستية والدعم لنقل السكان كهيئات الأمم المتحدة ومنظماتها، بل إن هذه المنظمات هي أول من بادرت وبشّرت بهذه الجريمة عن طريق مُجرمها دي مستورا،  وهو يُبشّر ويدعو لتنفيذها في المناطق السورية المختلفة، بحيث ينجح المجرم الأساسي، زعيم الميليشيا الكبرى، أن ينفذ جريمته ويطهر الأرض التي يستولي عليها بالعنف الوحشي.

ما جرى ويجري في سورية هو سقوط كامل لكل النظم الإنسانية، وانهيار مدوٍّ للهياكل التي عمل العالم طويلًا على إقامتها؛ لتحمي الإنسان، وتعطي معنى قانونيًا للإنسانية.

ما يحصل في حلب هو جريمة مكتملة الأركان لتهجير قسري للسكان المدنيين فيها، الفاعلون فيها معروفون علنًا ويُعلنون بصفاقة ووقاحة كليتين جريمتهم، ويصرحون علنًا عن أهدافهم بتهجير كل السكان، والمشاركون بهذه الجريمة يقدمون كل ما يمكنهم؛ لتنفيذها بعنوان إنساني هو حفظ الأرواح،  فيقومون بالضغط على السكان الأصليين، وتقديم كل ما يمكنهم لجعل هذه الجريمة مُيسرة وقابلة للتنفيذ، ويقدمون الاقتراحات للأماكن التي سيجري التهجير إليها، ويُسهلون الممرات التي سيجري التهجير خلالها، ويُغطّون بما يلزم لتأمين هذه الجريمة وضمان السكوت عنها.

الجميع متورط في هذه الجريمة، شأنه شأن المجرم تمامًا، ولا يمكن تغطية هذا الإجرام الدولي بأي ستار إنساني أو غطاء قانوني. الأصل أن يكون العمل على مُحاكمة المجرم، أو على الأقل وقف إجرامه ومنعه من ارتكاب مزيد من الجرائم، لا مساعدته على الإفلات من العقاب، وتسهيل ارتكابه مزيد من الجرائم.

وإذا كان قانون محكمة الجنايات الدولية لا يطال بعض المجرمين، فإنه يطال المجرمين الآخرين، قانون محكمة الجنايات الدولية يطال تركيا وأوروبا وكل دولة تشارك بالتحالف، وهي منخرطة باتفاقية محكمة الجنايات الدولية، وهذه دعوة لجميع القانونيين للعمل على هذا الجانب، والبدء بتحريك الشكاوى أمام محكمة الجنايات الدولية ضد الدول التي يمكن ملاحقتها أمامها، وهي منخرطة بهذه الجريمة، ونحن سنعمل كل جهدنا أن نقوم بذلك. سياسة الإفلات من العقاب السائدة في العالم يجب أن تجد نهاية لها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق