أدب وفنون

الآن، هناك وهنا، أنا الغبار

الآن، هناك وهنا، صار للغبار معنى جديدًا! الآن هناك أو هنا، أصبح للفاجعة لونًا لا ينتمي إلى الطيف، وموسيقا غير قابلة للعزف! الآن هناك كما هنا، صورة لا تتسع لها عين حي. الأنشودة تُعاش الآن، لحظة بلحظة، تُرى، لا تغنّى أو تلحّن هنا، ولا ترتّل أو ترنّم هناك! الآن لا صلاة لي، ولا عليّ سلام، “فما ولدتُ، ولا مِتُ، ولن أموت؛ كي أُبعث حيا”. فأنا غُباركم إذن.

أنا الغبار الآن، حاصروني إن استطعتم، وهنا سموتُ، فامنعوا عني التسامي والهواء إذا ظننتم أن للريح أقفال تكبّلها، بُدّدتُ عنكم واُستُجمعتُ الآن منكم، وفيكم، هنا انطلقتُ، أصبح لي معنى جديدٌ هناك، لا يشبه اختناق صوتكم بالمراثي، كان نزيفي أوضح من آهاتكم على جراحي، ودمي المسفوح على عتبات محاربكم، أحرَّ من نبض عروقكم، وأجلَّ من إيمانكم، وأقدسَ من جلود وجوهكم بعد الوضوء. لا تحاولوا الدنوّ من ألمي ولا تقاربوه، لا تطؤوا أثيري، فأصابع طفلتي لم تزل ساخنة، منثورة الآن هنا وهناك، إنها حتماً أطهر من آيات بياناتكم.

أنا غباركم الآن، فحاذروني.

عاهدتكم على الدم، بعتم دمي؟! ولا صوت لي في سوقكم إلا شهيقي وزفيري، ولا حول لي في عهركم سوى حُلمي الذي صلبتموه على بدني، أنا الغبار الآن، ولم يبق ما أخسره، بات الآن لي وحدي أنا، فلا تسرقوا حزني. هو لي وحدي. لا تشتروا ألم اغتصابي وعذابي فهو لي وحدي. لا تنهبوا بوح تحطّم باب بيت أبي، ذاك البوح لي وحدي، ولا تتسابقوا في تجارة خطأ تبدّل ِواختلاف الأحذية، في أقدام أطفالي، لحظة الرعب، فأنا الغبار الآن، ويحكم، حتى ذاك الرعب لي وحدي أنا.

وثّقوا سلال إغاثتكم كما تشتهون، سجّلوا ندواتكم محاضراتكم مؤتمراتكم، استعرضوا فقهكم حكمتكم حكمكم سلطتكم، مجّدوا أبطالكم، أسيادكم، اسرجوا خيول حروبكم، دقّوا طبول مجدكم، وهللوا وصفقوا لنصركم، تقاسموا أرزاقكم، تبادلوا نساءكم، شاركوا الشيطان ربحكم، صلوا على من شئتم، اعبدوا أنّى أردتم، اكفروا إذا رغبتم، ولكن، لا تقربوا وجه أمي المعفّر بالذهول، لا تختلسوا عينيها المعلقتين بسراب سنين شقائها، لا تتسوّلوا على حَضنِها دراجة حفيدها المحطمة، فتلك الأم لي وحدي أنا، وذاك الوجه لي وحدي، ولي ذهول عينيها، ودمعها، وقهرها، وصبرها، ولي خذلانها في دينها وربّها وبالعالمين وبي، لي سخطها، وحقدها، وحبها، فأنا الغبار الآن، وبات كل شيء هنا أو هناك، لي وحدي أنا.

أيتها الأمم الرقيعة، يا عربان أمّتي الجرباء، يا غربان الليل، يا جيران الغفلة، يا إخوان الشياطين، يا نظام القتلة، يا معارصةً رثّة بخسة رخيصة الخُلق، سرقتم مني كل شيء؛ فلن تحصلوا على ندمي، ولو تحالفتم مع الله عليّ، أنا الغبار الآن، إكليل اختناق على رأس البسيطة، لن أهجر رؤوسكم، ولو طاردتني الريح، ولن أستريح على جدار تهدّم، فأغفو وأُنسى كالعابرين الخفاف، لن أقبل باسمي مخطوطًا في لوحة معدنية ملونة معلقة على مفترق، لن أقبل طيي في ديوان شعر تافه، أو حتى عظيم؛ أن أكون عنوان قصيدة موزونة لشويعرٍ مهاجر ينتظر الفتات كل شهر، لا أقبل، لن أقبل لاسمي أن يكون علكة في فم مومس تلقي افتتاحية مهرجان أو مؤتمر وطني… سلبتموني كل شيء، ولم يعد ما أخسره فصرتم الآن كلكم لي، أنا الغبار، لي ماضيكم وحاضركم، صباحاتكم ومساءاتكم، ليلُكم ونهاركم لي، كوابيسكم، أحلامكم، أنفاسكم، لي حناجر حلوقكم، شفاهكم لي، ياقات ثيابكم، وطعم خبزكم وجرعة مائكم، أفراحكم، أتراحكم، لي زوايا صدوركم، وحبر قلوبكم، غناؤكم، بكاؤكم، صيامكم، صلاتكم لي، عروقكم، وعقولكم، ولي ارتعاشات أجسادكم، فأنا الغبار الآن، هنا أنا، وهناك، وأنتم، وكل شيء صار لي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق