هموم ثقافية

هذا الرجل

على الوجع المرير الذي يخلّفه رحيل صادق جلال العظم في أرواح وقلوب أصدقائه ومحبيه وقرائه؛ فإنّ غيابه عن حياتنا الثقافيّة والفكريّة يُقلق عقولنا، كحال غياب القلّة الكبار من المفكّرين العرب الذين كانوا بالفعل -ودون مجاز- مشاعل الدليل إلى الحرية والارتقاء.

فلهذا الرجل -منذ بداية عمله الفكري- موقعٌ من الناس هو الأقرب إليهم، سواء في ما طرحه في كتابه “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، أو في كتابه الآخر “نقد الفكر الديني”، وهو ما يُلاحظ بوضوح من خلال اتساع رقعة قرائه، وأثر الموضوعات المطروحة في إثارة المسكوت عنه -خوفًا وتقيّة- وإخراجه من قماقمه في الصدور والأذهان إلى ضوء الحوار والسجال.

ولهذا الرجل -وقد عرفته مُدرّسًا في جامعة دمشق وصديقًا على امتداد سنوات- تكوينٌ شخصيٌّ بالغ في الطبيعيّة، والطلاقة، والصّدق، لا مع أصدقائه ودائرة معارفه فحسب، بل مع الجميع دون استثناء، وذلك لما في أصالة فكره، ونبالة وعراقة منبته وأسرته ومحيطه العائلي.

ولهذا الرجل -في ما يخصُّ حقله الفكري الفلسفي- شاغل مركزيّ رئيس: تناولُ ومعالجة القضايا التي تعني الناس، وتتعلّق بمعتقداتهم وأوضاعهم ومصائرهم، والتضليل الواقع عليهم، والمُستفاد من جهله وخُرافاته وغيبيّاته، سواء لصالح الأنظمة القامعة الحاكمة، أو لصالح إبقاء المحكومين في متاهات الظلامية والتسليميّة.

ولهذا الرجل -فضلًا عن مؤلّفاته وأعماله الفكريّة التنويريّة- تواصلٌ حيويٌّ ومباشرٌ ويوميٌّ مع الأوساط الطلابيّة -داخل الجامعة وخارجها- ومع شرائح عديدة في المجتمع، وهو ما منحه -عبر الاحتكاك والمعايشة- غنى فكريًّا سياسيًا حياتيًّا من نبض ولحم ودم، وموقعًا مُميّزًا في القلب من الحياة الثقافيّة والسياسية والاجتماعية في سوريّة.

ولهذا الرجل -حقيقة، لا انفعالاتٍ إثر غيابه- تواضع الكبار الكبار، من أمثال العلاّمة السوريّ عبد الكريم اليافي، ووفاء مدمني الإخلاص، وانتماء المجبولين بتراب البلد، والنابتين من أرضه، والمُشتَقّين من ناسه، والمنسوجين من همومهم وآلامهم وأحلامهم وثورتهم، وخصوصًا كفاحهم للانعتاق من الطغيان السرطاني الذي حكم البلد، من دون أن يتفذلك أو يتخاذل كغيره، ولهذا وقفة أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق