مقالات الرأي

حقيقة لا يمكن قصفها أو ترحيلها

لا شيء أكثر ثقلًا على النفس من خروج الآلاف من أهالي حلب مرغمين من مدينتهم، سوى الفرحة التي يُعبّر عنها سوريون آخرون بهذا الخروج؛ إذ يرونه نصرًا. الخروج القسري لمدنيين سوريين، لأطفال ونساء وشباب وعجائز، من بيوتهم وحاراتهم ومصادر رزقهم، إنه ليس أمرًا تعافه الفطرة السليمة والأخلاق فحسب، وإنما هو -في الواقع- هزيمة لكل السوريين، بمن فيهم من يحتفل “بالنصر”، أو من يسميه “النصر الكبير”. لا توجد هزيمة أكبر من ألا يُدرك سوريون معنى تشرد عائلات سورية كاملة؛ خوفًا من “الدولة” التي تنتقم ليس ممن “حمل السلاح في وجه الدولة” وحسب، وإنما من عائلته ومحيطه ومدينته كذلك.

خروج مقاتلين محاصرين؛ بناء على اتفاق أو واسطة، أو ما إلى ذلك، أمر مفهوم في المنطق العسكري، ولكن خروج آلاف المدنيين يعطي للوضع الحلبي معناه الحقيقي، يعطيه بعده السياسي العميق الذي يتجاوز “محاربة جماعات إسلامية مسلحة”. هناك جزء من الشعب السوري، لا يأمن على نفسه في ظل نظام الأسد، بعد أن أعلن رفضه لنظام الأسد. وهذا الجزء جاهز لترك بيته وممتلكاته ومدينته، (وأحيانًا لحرق ممتلكاته كي لا تكون غنيمة للداخلين، الذين يضمّون نسبة كبيرة من غير السوريين). أي: إن هذا الجزء من الشعب السوري جاهز للتشرد، لكيلا يضع نفسه تحت سلطة هذا النظام مجددًا. هذا ما يعطي الدعابة المرة التي تناقلها السوريون، أساسها الواقعي، أن هناك جزءًا من الشعب السوري سقط في انتخابات الديكتاتور، فخرج من عداد شعب الديكتاتور. بالفعل، في كل “التسويات” التي أنجزها النظام، أو حلفاؤه، كانت هناك كتل بشرية يجري نقلها إلى مكان آخر، بعيد نسبيًا عن انتقام النظام الأسدي، ولا يقتصر الأمر على المقاتلين وأسرهم. في كل مرة يختار الديكتاتور شعبه، وينفي “الآخرين”، لأن في هذا النفي، الذي يتضمن السجن والقتل والتهجير والترحيل؛ بناء على تسوية… إلخ، “تطهير للشعب”، بحسب تعبير الديكتاتور نفسه، بوصفه “مصدر شرعية الشعب السوري”!

كل هذا التورم العسكري الذي يراد له أن يشوش ويطغى على اللوحة السورية الأصلية، لا يستطيع أن يغطي الحقيقة البسيطة الأولية التي تقول: إن السوريين أرادوا -منذ البداية، ولا زالوا يريدون، سورية أخرى، سورية لشعبها بتنوعه ولا تخص عائلة أو فئة مؤبدة فوق القانون. هذه هي الحقيقة التي لا يمكن قصفها بالطائرات ولا سجنها في المعتزلات السرية، ولا قتلها بالتعذيب أو بالجوع. وهذه هي الحقيقة التي يخشاها النظام الأسدي أكثر مما يخشى “النصرة وداعش وجموع المسلحين”… إلخ.

لا نُجادل في أن حلم السوريين المحق والعادل بدولة فيها، ولو معايير دنيا من الديموقراطية وحكم القانون، كان محلًا للاستثمار والمضاربة والغش السياسي، وكل صنوف المتاجرة، وأن أعداء الثورة انتصروا في الثورة. لا نجادل في أن الإسلام السياسي، بنسخته الجهادية المحلية والعالمية، اقتحم المشهد السوري وسيطر عليه، وحيّد -بذلك- الوجه المحق والعادل للثورة، وبادل النظام الاستهداف العشوائي للمدنيين، وأسس لـ”نظام” مواز لا يقل سوءً عن نظام الأسد. ولكن لا جدال في أن نظام الأسد لم يواجه الجماعات الإسلامية المسلحة بروح وطنية، بل بروح المحافظة على السلطة، لم يعمل النظام على عزل الإسلاميين المتطرفين بالانفتاح على الشعب، كما يُفترض بأي “سلطة وطنية” أن تفعل، حين تواجه أزمة واسعة كالتي تكلم عنها النظام، وأسماها “حرب عالمية على سورية”. بل عمل النظام الأسدي على وضع كل معارضيه في سلة الإرهاب، لا فرق عنده بين ديمقراطي علماني ومتطرف جهادي عالمي. والحق أن العلمانيين السلميين أخطر من الجهاديين المسلحين على النظام الأسدي؛ لأنه لا يستطيع أن يشيطنهم بالسهولة نفسها، أو أن يستجلب دعم دول العالم له؛ لمحاربتهم كما يفعل في محاربة “التكفيريين”. كل ذلك؛ لأنه ينطلق من موقع سلطة تريد ذاتها، وليس من موقع سلطة تريد وطنها.

بين العمل على إخضاع جماعات إسلامية مسلحة، تسيطر على مناطق معينة، وبين العمل على إخضاع الشعب السوري، فارق كبير، فارق في المقاربة السياسية، وفي التحالفات والعلاقة مع عموم الشعب، وحتى في التكتيك العسكري، وهو الفارق نفسه بين النظام الأسدي والدولة الوطنية السورية، هو الفارق نفسه بين طغمة تستعمر دولة، وتسيطر على مقدراتها، وتسخرها لخدمة استمرارها في السيطرة، وبين دولة وطنية تديرها نخبة، تتوجه بمصلحة ورؤية وخيارات عامة.

الباصات الخضر التي تنقل العائلات الحلبية خارج بيوتها، وهي ممتلئة بالعجز والخذلان، تعطي انطباع السير في جنازة، وهي جنازة بالفعل، جنازة للحق والعدل وجنازة للأخلاق.

مقالات ذات صلة

إغلاق