أدب وفنون

حقيقة الوهم

يقدم المخرج آدم كيرتيس -الذي اشتهر بإخراجه أفلامًا وثائقية سياسية- في فيلمه الوثائقي الجديد “طبيعية فوق عادية” Hyper Normalization، نظرة على عالمنا اليوم، الذي يطلق عليه وصف “عالم ما بعد الحقيقة”، وعلى الرغم من مقدرة كيرتيس -عادة- على النظر إلى الأمور من زاوية موضوعية، إلا أنه في هذه المرة في تحليله للثورات العربية لم يستطع الخروج تمامًا من التأثر بالبروباغندا الإعلامية العالمية. إلا أنه قدم -في جانب من الفيلم- موضوعًا ومعلومات شديدة الأهمية والارتباط بالثورة السورية، متعلقة بمن أسماهم مصممي التكنولوجيا السياسية في روسيا المعاصرة.

يشرح الفيلم أن مجموعة من الأشخاص، بعضهم كان من شخصيات المعارضة في السبعينيات، سيطرت على وسائل الإعلام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واستخدمتها للتلاعب بالمصوتين في الانتخابات على نطاق واسع. لقد رأى هؤلاء كيف أن انعدام الثقة بالسياسة وإظلام المستقبل قد يُستغلان لصالحهم، بأن حولوا السياسة إلى مسرح غريب، حيث لم يعد أحد قادرًا على معرفة ما الحقيقي وما المزيف. وهم الشخصيات الأساسية خلف الرئيس بوتين، استطاعوا إبقاءه في السلطة دون تحد يذكر لخمسة عشر عامًا. بالنسبة لهم، الحقيقة كانت شيئًا يمكن التلاعب به، ويمكنك إعادة تشكيله؛ للتحول إلى النموذج المرغوب.

 

يركز الفيلم على أحد هذه الشخصيات التي سطع نجمها، وهو مصمم تكنولوجيا سياسية، اسمه فلاديسلاف سركوف. يروي الفيلم كيف طور سركوف مفهوم التلاعب بالحقيقة أكثر، وكيف تحولت أفكاره إلى قوة مركزية في إحكام قبضة بوتين على السلطة.

أتى سركوف إلى السياسة من عالم المسرح، وقد استنتج من درسوا مسيرته أنه طبق أفكار الطليعة المسرحية على جوهر السياسة. لا يهدف سركوف إلى التلاعب بالناس بل إلى أعمق من ذلك، فهو يعمل على اللعب والتلاعب بمفهومهم عن العالم والتقليل من شأنه، بحيث لا يمكن لهم التأكد مما يحصل حقًا. سركوف حول الحياة السياسية الروسية إلى مسرحية قابلة للتبدل يوميًا، استخدم أموال الكرملين ليدعم كل أنواع المجموعات: مجموعات معاداة الفاشية الشابة، مجموعات نازية جديدة، مجموعات حقوق إنسان ليبرالية تهاجم الحكومة، حتى إنه دعم أحزابًا سياسية كاملة تعارض سياسات بوتين. وكان أساس عمله أن سرب بعد ذلك معلومات تفيد بأنه هو من يدعم كل هذه المجموعات، وبذلك لم يعد بإمكان أحد التأكد مما هو حقيقي ومما هو مزيف، ولا الوثوق بأي مجموعة معارضة في روسيا المعاصرة. وبحسب فيلم كيرتيس، فقد عبر أحد الصحافيين عن ذلك قائلًا: “إنها استراتيجية قوة تحافظ على أي شكل من أشكال المعارضة في حيرة مستمرة. وهي آلة من تبديل المفاهيم التي لا يمكن السيطرة عليها؛ لأنها غير قابلة للتعريف”.

إذا افترضنا أن النظام الروسي “المافيوي” أقرض نظام الأسد الإجرامي مصمميه هؤلاء، فإننا يمكن أن نجد لنظرياتهم تطبيقًا واضحًا فيما تشهده مدينة حلب في الأيام الماضية في أنموذجين واضحين. أحدهما هو خروج جزء من المدنيين والمقاتلين من مدينة حلب، والثاني هو موقف الرأي العام العربي والعالمي مما جرى في حلب، ومن استعادة النظام لأحيائها القديمة.

في الأنموذج الأول، تختلط في خروج الدفعات الناجية من حلب روايات عن الحقيقة يمكن تخليصها كالتالي: رواية من جانب المنحازين للثورة تعدّ النجاة انتصارًا بحد ذاته للثوار الذي صمدوا حتى آخر لحظة، ورواية أخرى يروجها المنحازون للنظام تجد في طرد هؤلاء الناس من منازلهم نصرًا مؤزرًا، ورواية ثالثة لناشطي المجتمع المدني في العالم التي تجد أن مجموعات الضغط المشكلة عالميًا نجحت في قهر إرادة النظام وروسيا، وإجبارهما على إخراج المدنيين المحاصرين، ورواية تركز على أن هذا التهجير أساسه طائفي لإعادة تركيب المدينة ديموغرافيًا على أسس جديدة. وتضيع بين هذه الروايات الحقيقة الملموسة التي تتلخص في أن تواطؤًا عالميًا قبل بتهجير سكان مدينة من بيوتهم، وحرمهم حقهم الطبيعي في العيش حيث ينتمون، بل وصمت عن أن تهد مدينتهم فوق رؤوسهم -لسنوات- لأسباب سياسية، ويعامل من يصرون على التمسك بهذه الحقيقة على أنهم طوباويون، ومنفصلون عن الواقع، وغير قادرين على فهم البراغماتية السياسية المطلوبة في مثل هذه “الأزمات”.

أما في الأنموذج الثاني، فإن استعادة النظام لحلب تبدو تطبيقًا لامعًا -من ناحية الدهاء السياسي واللاأخلاقي في آن- لنظرية خلط الأوراق وإعادة تشكيل الحقيقة، وإن كان أثر تطبيقها غير ظاهر على السوريين أنفسهم -بسبب استقطابهم الحاد الذي يحيل محاولات التلاعب بالحقيقة بينهم إلى استحالة-، إلا أن أثر هذه السياسات بدا جليًا في ردة الفعل العربية والعالمية، حيث عبر كثيرون -عبر وسائل التواصل الاجتماعي- عن عدم قدرتهم على اتخاذ موقف واضح مما يجري في حلب، لأنهم غير متأكدين من حقيقة ما يجري، إذ بدت لهم كل الروايات مختلطة وغير واضحة المعالم، وتتناقض الحقائق مع أخرى مماثلة تبث إليهم، فلا يستطيعون تمييز بعضها عن بعض، ومنها أن النظام أنقذ أهل “حلب الشرقية” من “العصابات الإرهابية” التي كانت تحتجزهم رهائن، أو أن جميع الموجودين في حلب القديمة إرهابيون، أو أن أهل “حلب الغربية” احتفلوا بدخول النظام الطرف الآخر من المدينة، أو أن الفصائل “الإسلامية” بتمسكها بحلب، تعلم أن المجزرة مقبلة ولذا؛ فهي تتحمل المسؤولية، أو أن النظام رحب بالعائدين من الأحياء المحاصرة إلى الجزء الآخر من المدينة الواقع تحت سيطرته، أو أن المجازر لم تحدث أصلًا… ويستطيع “الباحث عن الحقيقة” أن يجد مقاطع فيديو ووسائل إعلامية تدعم كل رواية من هذه الروايات “بالأدلة”، وتضيع بذلك حقيقة بسيطة، أن حلب دمرت؛ لأن أهلها طالبوا -يوميًا- بالحرية والكرامة، وكان ثوراها أنموذجًا للتعايش، ففرض النظام حصاره عليها وقصفها بأنواع شتى من الأسلحة، وأن التمويل الذي ضخته جهات مجهولة لفصائل مسلحة محددة، وقطع التمويل عن فصائل الجيش الحر، وإقصاء المنشقين عن جيش النظام، عن الواجهة العسكرية نمّت فصائل مسلحة كان أهالي حلب يواجهونها يوميًا ويناضلون ضدها حين تسنح لهم الفرصة، وأن وجود مسلحين في منطقة ما لا يبرر -تحت أي شرعة دولية- اقتحامها بأثقل أنواع السلاح وتهجير أهلها.

يبدو أن سركوف وأمثاله وجدوا في الحالة السورية أرضًا خصبة لتجربة وتطبيق نظرياتهم عن الحقيقة، تمامًا كما شرح بوتين للشعب الروسي أن تدخل جيشهم في سورية ليس إلا “تدريبًا” للجيش و”تجريبًا” لأسلحته الجديدة، إلا أن الحقيقة المرعبة -حقًا- في هذا العالم المختلط الأوراق، أن الضحية التي تختبر عليها هذه النظريات والأسلحة هم بشر من لحم ودم، وخسائرهم أصبحت أعمق وأكبر من أن تعد أو تحصى.

مقالات ذات صلة

إغلاق