اقتصاد

المفارقة المُرّة.. ما بعد مغادرة الجحيم

ينشط رواد بارزون في منصات التواصل الاجتماعي؛ لإيجاد حلول موقتة لوضع بالغ السوء، يتعرض له الفارون من الجحيم السوري. ومع انضمام عشرات الألوف من سكان أحياء حلب المحاصرة إلى قائمة المهجرين قسريًا، يزداد مشهد اللجوء السوري كارثية، ويصبح أحد أخطر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.

هاشتاغ “في- مهمة” الذي أطلقته مؤخرًا مجموعة من الناشطين الشباب، في سياق حملة “شريان الحياة” التي تُشرف عليها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يهدف – كما أُعلن – إلى حشد الدعم المالي اللازم لعائلات سورية مصنفة بـ ” الأكثر ضعفًا” تقطن خارج المخيمات، ويعيش معظمها على حواف المناطق الحضرية أو شبه الحضرية داخل بيوت غير ملائمة. يفتقر أفرادها -بحسب “مجموعة البنك الدولي”- إلى الموارد اللازمة لتغطية أساسيات حياتها كنفقات الرعاية الصحية وحاجات التعليم، وآجار البيوت وفواتير الماء والكهرباء. ما يجعلها بحاجة ماسة إلى مساعدات نقدية عاجلة قبل نهاية هذا العام.

اليوم، يُضاعف استمرار تدفق اللاجئين والمهجرين خارج بيوتهم ومدنهم، بالنظر إلى تواصل الحملة العسكرية التي يشنها الأسد وحلفاؤه ضد المدنيين في الشمال السوري، قلق المجتمع الدولي، ويضع وصول المساعدات الإنسانية إليهم، أمام اختبارات صعبة للغاية. فمنذ بداية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي قدمت المفوضية السامية مساعدات الشتاء، لـ 800 ألف لاجئ، ومازال هناك نحو 400 ألف غيرهم يقيمون في ملاجئ دون المستوى داخل مناطق صعبة شمالي وجنوبي البلاد، ينتظرون وصولها.

وإلى جانب هؤلاء، تكشف لائحة الانتظار على المستوى الإقليمي وجود أعداد كبيرة أخرى، ما تزال تأمل عبر هذه المساعدات أن تتحسن أوضاعها الهشة، وأن تحمي نفسها من عواصف الشتاء وانخفاض دراجات الحرارة إلى مستويات مقلقة. ففي الأردن -مثلًا- هناك 2000 أسرة سورية أشد حاجة، من أصل 292 ألف أسرة تحتاج إلى مساعدة، وتنتظر أن تصلها المساعدات النقدية لتغطية صيانة منازلها وسد حاجاتها من المواد غير الغذائية. وفي تركيا كذلك، ينتظر 450 ألف لاجئ سوري خارج المخيمات الملابس الدافئة والمعونة المالية المفترضة – 200إلى300 –  دولار، ولمرة واحدة لكل أسرة. فيما ينتظر نحو 870 ألف لاجئ في لبنان مساعدات المفوضية، بعد أن تعرضت معظم العائلات التي لجأت إلى هذا البلد لضغوط مالية وسياسية واجتماعية وفق تقارير حقوقية مستقلة، أفقدتها كثيرًا من حقوقها الإنسانية.

مُجددًا يتشابه الوجع السوري في أماكن اللجوء. فمعاناة العائلات في الأردن، لا تختلف كثيرًا عن معاناة مثيلاتها في لبنان وتركيا والعراق. لقد اجتازت الحدود الدولية هربًا من الموت – تحت ضغط محرقة “روسية إيرانية سورية” – تاركة وراءها أصول عقارية ومالية كبيرة، لكنها تعيش في الوقت الراهن حالة بؤس شديد بسبب افتقار أفرادها لأبسط مقومات الحياة.

ومع أن المدير القطري لمنظمة “كير” الدولية في الأردن MS Salam Kanaanتؤكد “إنه لا يمكننا غض الطرف أكثر من ذلك” إلا أن الواقع على خلاف ذلك كما يكتب أحد نشطاء حملة “في- مهمة”: فأهل الكرم والشهامة والثقافة والحضارة، ينامون على الكراتين في تركيا ونحن نتفرج. يتابع: أوضاع السوريين سيئة جدًا، قبل يومين رأيت سوريّة في إسطنبول نائمة في الشارع، وهي تحتضن طفلها الصغير، تحاول حمايته من البرد وهي تبكي.. شيء يقطع الكبد.

هذا المشهد المُروع تكرر ذاته في لبنان، والعراق. وخلال السنوات الماضية، لقي بعض اللاجئين حتفه داخل وخارج المخيمات؛ بسبب موجات البرد القارس والعواصف الثلجية التي ضربت شمال ووسط الأردن. كما سقط العشرات أيضًا في أماكن أخرى من الإقليم. وسيضع تقلب الطقس – كما السياسة –  في الشرق الأوسط إلى جانب امكانات الحماية المتواضعة التي توفرها الأمم المتحدة، الجميع أمام التحدي المؤلم ذاته.

قبل أسبوعين أطلقت الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الشريكة لها، نداءً جديدًا من أجل تمويلها بـ 4.69 مليار دولار أميركي كي تواصل عملها الحيوي في إنقاذ اللاجئين السوريين ودعم البلدان المضيفة لهم، وفق خطة إقليمية تضمن استجابةً منسقةً وشاملةً؛ لمساعدة 9.1 مليون لاجئ، منهم 4.7 ملايين لاجئ سوري، وأكثر من 4.4 ملايين من سكان المُجتمعات المحلية المُضيفة لهم داخل تركيا والأردن ولبنان ومصر والعراق.

وعلى الرغم من التزام وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الشريكة بتوفير أقصى ما تستطيع من العون لمواجهة أزمة من أشدّ الأزمات إلحاحًا في العالم، إلا أن النداء يعكس الحجم الكبير لاحتياجات السوريين الإنسانية، والاحتياجات المتعلقة كذلك بالحماية وبناء القدرة على مواجهة الأزمات لدى البلدان التي تواصل تحمل أعباء ما تعتبره الأمم المتحدة مسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي، بهدف أن تشعر تلك العائلات والأسر التي فتحت أبواب بيوتها لاستقبالهم، بأن العالم يواصل دعم حقوقهم وكرامتهم والدفاع عنها.

وتتضمن الخطة التي من المقرر أن يجري إطلاقها في مؤتمر تستضيفه الحكومة الفنلندية أواخر كانون الثاني/ يناير المقبل، توسيع نطاق توفير كسب العيش والفرص الاقتصادية، وتوفير فرص تعليم الأطفال والشباب، واتباع نهج اقليمي مشترك في مجال حماية حقوق اللاجئين وكرامتهم وسلامتهم، فضلًا عن توفير الرعاية الصحية اللازمة.

ثمة مفارقة يمكن الوقوف عندها مطولًا، وهي أن أغلب الذين فرّوا عراة من جحيم النار في سورية، واجهوا جحيم البرد والثلوج في البلدان التي استضافتهم، وهم عراة أيضًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق