مقالات الرأي

لعنة السلاح

“ارم بندقيتك. أكره هذه الآلة الدموية، كما في لبنان والقدس، كذلك في طهران”.

هذا المقطع من قصيدة الشاعر الإيراني، موشيني، كان يردده المتظاهرون الإيرانيون، يوم الجمعة الأخير من رمضان 2009، وأوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية في 21 أيلول/ سبتمبر 2009، فهل يمكننا أن نضيف: كذلك في سورية، من دون أن يخوّننا أحد؟ والسؤال الأهم: من سيسمع نداءنا أو شعرنا إن أضفنا، ومن يردده؟ ومن باب آخر، هل استنفدنا فعلًا كل وسائلنا، لوقف هذه الآلة الجهنمية، وقد طال أذاها جميع السوريين بلا استثناء، وإن بتفاوت؟! وكيف نستنفذها وعداد الموت والتدمير اليومي المقابل ما زال منفلتًا من أيّ ضابط أخلاقي أو قانوني؟ ما جعل الكلام عن المقاومة (اللاعنفية) التي تعني مباشرة استنفاد وسائل المقاومة بالقوة الناعمة (تظاهرات وإضرابات وعصيان مدني وميديا وغيرها) مضافًا إليها قوة السلاح كاحتياط ضروري لحين الحاجة، على أن تجري عملية عقلنة السلاح وضبط حركته بالتوازي والتناغم مع العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي، أو أن يسيرا معًا بعقل سياسي مدبّر وقوة مسلحة منفذة، وهذا ما لم يتوفر لعبدة السلاح عندنا، وذلك لأنّ السلاح منذ البداية بدأ مشاغبًا على السياسة وعلى الحراك المدني على حدّ سواء، وتدريجيًا، ومع ضعف القدرة المالية لدى المجلس الوطني السوري ووفرتها عند الداعمين، تحوّلت السياسة إلى غطاء للعمل العسكري المتشعب الرؤوس ومتعدد مصادر التمويل والأجندات، من دون تمييز بين عناصر ورؤوس هذه الخلطة العجيبة، وكأن القناعة والثقة بالسلاح والداعمين الدوليين، أراحت الهبل السياسي، فاكتفت رموزه بالمزيد من الحماس والاصطفاف الإعلامي خلف العسكرة، واللافت في هذا المجال أنّه، كلما تقدمت العسكرة خطوة تراجعت السياسة خطوات وخفت أصوات الحراك المدني، ولا أدلّ على ذلك أيضًا من أن عدنان العرعور صار يُصدِر إنذارات إلى المجلس الوطني السوري مشترطًا إدخاله إلى المجلس بكتلة مضاعفة، ولم يتوان بعض ديمقراطيينا عن الاستقواء بالعرعور ذاته، وبدأت تبعًا لذلك ثقة المقاتلين بأنفسهم تتصاعد، فهم وحدهم يقررون مستقبل الثورة ووحدهم ممثلون حقيقيون لقواها، وما على القوى السياسية سوى أن تقدم الغطاء السياسي والإعلامي لهم، في حين أجمل المسلحون شروط اعترافهم بالكيان السياسي بأن يغذيهم بالمال اللازم وإلا فلا اعتراف بالسياسة ولا بالسياسيين. وهكذا بدأ التسليح والعسكرة متجاوزين على السياسة والسياسيين.

قد لا يختلف اثنان على ضرورة السلاح في مرحلة معينة، ولكن ضرورة السلاح شيء وإدارة السلاح شيء آخر، ففي ظلّ فوضى التمويل والأيدي الممتدة من الخلف، لم يعد للسلاح مرجعية ولا للمحاربين هوية جامعة، وهذا يعنى أن الهدف الاستراتيجي ظل غائمًا، ومرهونًا لتداعيات الصراع، وليس لمنهجية عمل مدروسة، تضبط حركته وتوجهاته، وصحيح أنّ المقاومة السلمية، بما تعنيه من تظاهرات واعتصامات، وميديا وأعمال لوجستية وإغاثية ضرورية، باتت معقدة وصعبة في ظل واقع الصراع على الأرض، ولكن هذا لا ينطبق، ويجب ألا ينطبق على المقاومة اللاعنفية، ليس لأنها تعني عقلنة السلاح فحسب، بل لأنها حشد ممنهج لكل أدوات الثورة ووسائلها، وتوزيع للمهام والملاكات والطاقات والخبرات، بما يحقق أفضل استثمار للطاقة البشرية المادية والمعنوية، بعيدًا عن مظاهر الفوضى والارتباك التي سهلت على عدوهم البقاء لأطول مدة ممكنة، وظلت العسكرة والسياسة تدور على نفسها من دون أي تقدم لا في العسكرة ولا في السياسية، والأنكى من ذلك أُسقطت المقاومة اللاعنفية علمًا أنها عقل الثورة وحكمتها، ومن دونها تداخل الهدف المركزي بالأهداف العارضة وغلب التكتيك على الاستراتيجي، وظل الإعلام يلهث خلف مقولات وجمل فقدت حرارتها وتقلصت الخدمات إلى حدها الأدنى.

طبيعي أننا لا نقصد من هجاء السلاح؛ كي ننتقل إلى هجاء الثورة، كما وصل الأمر ببعض المحبَطين، ولا يعني تجريم سلاح الثورة، وعده مسؤولًا عن عمليات القتل والتدمير وما حلّ بالبلاد، وإلا فنكون قد شاركنا النظام بادعائه أن الثوار مجرد عصابات إرهابية، ووصلنا إلى ما وصلت إليه بعض القوى في دعواتها المنفصلة عن الواقع، بالمحافظة على سلمية الثورة، على الرغم من براميل النظام وصواريخه، وسلاحه الكيمياوي وكل جرائمه الطائفية، وعلى الرغم من احتقان المجتمع بعوامل الثأر؟ نعم لا يفوتنا ما للمقاومة المسلحة، في وجداننا وثقافتنا وسلوكنا، عبر الأجيال، من غنائية انفعالية جعلت من السلاح والثأر والمقاومة العنيفة أغنية فروسية، أسطرت صورة أبطالها في المخيال الشعبي، وجعلت من مصطلحنا (المقاومة اللاعنفية) -بحسب بعضهم- مجرد فزلكات نخبة من المثقفين أمام براميل الموت ومقصلة داعش وما بينهما.

المقصود، كيف نوسّع مفهوم المقاومة اللاعنفية إذن، ووجداننا لم يزل مترعًا بقصائد المقاومة المسلحة، وصور أبطالنا التاريخيين تخايل أحلام يقظتنا، وتدفع بمزيد من شباب مرد لمواجهة آلة الموت الجهنمية، وفي سورية كما في فلسطين كما في غيرهما، شعراء يغنون للمقاومة المسلحة وللتضحية على مذبح الحرية؛ ألا يكفي أن يكون للحرية مذبح ولو مجازًا، حتى نعيد النظر في مفهوم المقاومة واستراتيجيتها الشائعة ؟ وكيف نخلّص شبابنا مما ربيناهم عليه، من صورة دغمائية وحيدة للعنف المطلق، وواقع الوعي بالصراع في المنطقة، لم يزل يتغنى بقول نزار قباني: “إلى فلسطين طريق واحد يمرّ من فوهة بندقية”، كيف نقنعهم -إذن- أنّ السلاح “يخلق من الأشرار أكثر مما يزيل” كما يقول (عمانويل كانت)، أوليس صحيحًا، أنّ هذا ما فعله السلاح في الساحتين: السورية والعراقية، واللبنانية قبلهما فعلًا، فهو لم يأتِ بالإرهاب المتقابل والمتوازي الشيعي والسني عندنا فحسب، بل وسم الثورة بطابعها العقائدي الجهادي المتشدد، الذي تمثل سواطير داعش حده الأقصى، وتتدرج الفصائل الأخرى في موازينه المنفلتة من كل معيار وقيمة أخلاقية، وهو ما أضر بمسار الثورة وسمعتها، وصولًا إلى التطلّع إلى إقامة أنظمة سياسية مستبدة، وفرضها بقوة السلاح ، بعيدًا عن إرادة الشعب وخياراته، وبعيدًا عن أي مفهوم للهوية الوطنية الجامعة.

هل تنفي ضرورة السلاح، ضرورة محاكمة ما فعله ويفعله بنا، سواء في يد النظام أو في أيدي القوى المتطرفة، وأن نفرق بين نبل السلاح حينما يغدو الوسيلة الضرورية للمقاومة، وبين السلاح حينما يصبح مفرقًا ومقصيًا للسياسة، أو حين يعمل ليعيد إنتاج الاستبداد البديل عن سلطة الأسد، وهل ينكر أحد، أنّ السلاح عندنا -بمعظمه- شتت بدلًا من أن يوحد، وأفسد بدلًا من يقضي على الفساد، وأجرم بدلًا من أن يحمي من الجرائم، وبدلًا من أن يعد ببناء مستقبل الحرية والكرامة وحقوق الإنسان ودولة المؤسسات الدستورية العادلة، أوصلنا إلى تصارع الهويات القاتلة وحرب الكل على الكل.

يجب الإقرار بأنّ السلاح جاهل مهما تعلّم، وظالم مهما عَدَل، ومعتدٍ حتى وهو يدّعي الدفاع عن حقوق مشروعة، وتعالوا لنخلّص السلاح من موتورين عصابيين، انتصروا بالسلاح على أهلهم وذويهم قبل أن يحولوهم إلى أذرع للسلاح وقرابين للموت المقدس.

مقالات ذات صلة

إغلاق